فهرس الكتاب
مسجدا. وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما / اعتادوه من الدفن في الصحراء؛ لئلا يصلى أحد عند قبره ويتخذه مسجدا، فيتخذ قبره وثنا.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت [الحجرة النبوية] منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد ابن عبد الملك لا يدخل عنده أحد، لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد، وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلى القبلة لم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا، لا يستقبل القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل أحد من الأئمة: يستقبل القبر عند الدعاء ـ أى الدعاء الذى يقصده لنفسه ـ إلا في حكاية مكذوبة ترروي عن مالك ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله. وهذا كله محافظة على التوحيد.
فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، قالوا: هؤلاء كانوا قوما صالحين /في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى البخارى في صحيحه، كما ذكر قول ابن عباس: أن هذه الأوثان صارت إلى العرب، وذكره ابن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف. وذكره غيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع.
وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التى على القبور هم أهل البدع ـ من الرافضة وغيرهم ـ الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد؛ التى يشرك فيها، ويكذب فيها، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا، فإن الكتاب والسنة إنما فيه ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] ، وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ، وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} [التوبة: 18] ، وقال تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114] ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، / فإنى أنهاكم عن ذلك) ، والله تعالى أعلم.
فهذه ألفاظ المجيب.
فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب، وما ادعوا أنه باطل: هل هم صادقون مصيبون في هذا، أو هذا، أو هم بالعكس؟ والمجيب أجاب بهذا من بضع عشر سنة، بحسب حال هذا السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها، ولا سمى كل من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول، بحسب ما تيسر في هذا الوقت. وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، وفي شروح الحديث، وغير ذلك. والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة ـ وإن كان قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ـ هو قول مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد. الحديث عندهم معناه تحريم السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول: قبر نبينا لم يدخل في العموم. ثم لهذا القول مأخذان:
أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده. وهذا المأخذ هو الصحيح. وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه.