الصفحة 438 من 1087

والمأخذ الثانى: أن نبينا لا يشبه بغيره من المؤمنين، كما قال / طائفة من أصحاب أحمد: إنه يحلف به وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه، وهو رواية عن أحمد. ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء كحكمه؛ قاله بعضهم في الحلف بهم، وقاله بعضهم في زيارة قبورهم. وكذلك أبو محمد الجوينى ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضى تحريم السفر إلى غير الثلاثة.

وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب، ونفي الوجوب بالنذر، لا نفي الجواز. وهذا قول الشيخ أبي حامد، وأبي على، وأبي المعالى، والغزالى، وغيرهم. وهو قول ابن عبد البر، وأبي محمد المقدسى، ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد. فهذان هما القولان الموجودان في كتب المسلمين: ذكرهما المجيب، ولم يعرف أحدا معروفا من العلماء المسلمين في الكتب قال: إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه، لكنه لم يعرف ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب؛ فإنه من المعلوم أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يستحب السفر إليه بالنص والإجماع. فالمسافر إلى قبره لابد إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى / مسجده، فلا يدخل ذلك في جواب المسألة؛ فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا، فإنه يعلم أن الرسول قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده. فكيف لا يقصد السفر إليه فكل من علم ما يفعله باختياره فلابد أن يقصده، وإنما ينتفي القصد مع الجهل. إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا لأجل القبر، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم بالأمرين فلابد أن يقصد السفر إلى مسجده؛ ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه متعددة، كما قد بسط في مواضع.

وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو المعتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه. يسافرون إليه ليدعوه، ويدعوا عنده، ويدخلوا إلى قبره، ويقعدوا عنده، ويكون عليه أو عنده مسجد نأبي لأجل القبر، فيصلون في ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر، وهذا مما لعن النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب على فعله، ونهى أمته عن فعله، فقال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، وهو في الصحيحين من غير وجه، وقال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم / عن ذلك) . رواه مسلم.

فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور وما هو منهى عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب.

والمقصود التنبيه على ما في هذا المصنف الذى صنفه هذا المعترض على الجواب المذكور، وبيان ما فيه من الجهل والافتراء.

فمنها: أنه قال في الجواب: إنه ظهر لى من صريح ذلك الكلام وفحواه ومقصده إلىَّ ومغزاه: وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها.

فيقال: معلوم لكل من رأى الجواب أنه ليس فيه تحريم لزيارة القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم؛ إذا لم يكن بسفر؛ ولا فيه دعروي الإجماع على تحريم السفر، بل قد صرح بالخلاف في ذلك. فكيف يحكى عنه أنه يقول: إن نفس زيارة القبور مطلقا معصية محرمة مجمع عليها، فهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت