فهرس الكتاب
افتراء ظاهر على الجواب؛ ثم إنه تناقض في ذلك، فحكى بعد هذا عن المجيب أنه حكى الخلاف في جواز السفر.
ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام، وأنه يناقض في ذلك، وهو الذى يناقض في هذه الحكاية. وأما المجيب /فحكى قولهم في جواز السفر، وأنهم اتفقوا على أنه ليس بقربة ولا طاعة. فمن اعتقد ذلك فقد خالف الإجماع، وإذا فعله لاعتقاده أنه طاعة كان محرما بالإجماع، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة. هذا لفظ الجواب.
ومعلوم في كل عمل تنازع المسلمون فيه هل هو محرم أو مباح ليس بقربة أن من جعله قربة فقد خالف الإجماع، وإذا فعله متقربا به كان ذلك حراما بالإجماع، كما لو تقرب بلعب النرد والشطرنج، وبيع الدرهم بالدرهمين، وإتيان النساء في الحشوش، واستماع الغناء والمعازف، ونحو ذلك مما للناس فيه قولان؛ التحريم والإباحة، لم يقل أحد: إنها قربة. فالذى يجعله عبادة يتقرب به كما يتقرب بالعبادات قد فعل محرما بالإجماع. وهذا يشبه التقرب بالملاهى والمعازف؛ فإن جمهور المسلمين على أنها محرمة، وبعضهم أباحها، ولم يقل أحد: إنها قربة. فقائل ذلك مخالف للإجماع؛ وإنما يقول ذلك زنديق؛ مثل ما حكى أبو عبد الرحمن السلمى عن ابن الراوندى أنه قال: اختلف الفقهاء في الغناء: هل هو حرام أو حلال، وأنا أقول: إنه واجب. ومعلوم أن هذا ليس من أقوال علماء المسلمين.
والذين يتقربون بسماع القصائد والتغبير ونحو ذلك هم مخطئون عند عامة الأئمة، مع أنه ليس في هؤلاء من يقول: إن الغناء قربة / مطلقا، ولكن يقوله في صورة مخصوصة لبعض أهل الدين الذين يحركون قلوبهم بهذا السماع إلى الطاعات، فيحركون به وجد المحبة والترغيب في الطاعات، ووجد الحزن والخوف والترهيب من المخالفات. فهذا هو الذى يقول فيه طائفة من الناس: إنه قربة، مع أن الجمهور على أنهم مخطئون لو جعل هذا قربة؛ لكونه بدعة ليست واجبة ولا مستحبة، ولاشتماله على مفاسد راجحة على ما ظنوه من المصالح، كما في الخمر والميسر؛ فإنه وإن كان فيهما منافع للناس فإثمهما أكبر من نفعهما.
والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة، كالإيمان والجهاد؛ فإن الإيمان مصلحة محضة، والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة، وفتنة الكفر أعظم فسادا من القتل، كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] ، ونهى عن المفاسد الخالصة والراجحة، كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعن الإثم، والبغى بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. وهذه الأمور لا يبيحها قط في حال من الأحوال، ولا في شرعة من الشرائع. وتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك مما مفسدته راجحة. وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة؛ لأن مفسدة فوات النفس أعظم من مفسدة الاغتذاء به.
والفقهاء إنما تنازعوا في الخمر: هل تشرب للعطش؛ لتنازعهم في / كونها تذهب العطش، والناهى قال: لا تزيد الشارب إلا عطشا، فلا يحصل به بقاء المهجة. والمبيح يقول: بل قد ترطب رطوبة تبقى معها المهجة، وحينئذ فأى المأخذين كان هو الواقع، كان قول صاحبه أصوب. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود أن ما اختلف فيه العلماء: هل هو حرام أو مباح، كان من جعله قربة مخالفا لإجماعهم، كما إذا اختلف الصحابة على قولين، فمن أحدث قولا ثالثا فقد خالف إجماعهم؛ ولهذا لم يكن في المسلمين من يقول: إن استماع الغناء قربة مطلقا، وإن قال: إن سماع القول الذى شرط له المكان والإمكان والإخوان ـ وهو ترغيب في الطاعات وترهيب من المخالفات قربة، فلا