فهرس الكتاب
يقول قط: إن كل من سمع الملاهى فهو متقرب، كما يقول القائل: إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين قربة، وأنه إذا نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا النذر، فإن هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإن أطلقوا القول بأن السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قربة، أو قالوا: هو قربة مجمع عليها، فهذا حق إذا عرف مرادهم بذلك، كما ذكر ذلك القاضى عياض، وابن بطال وغيرهما، فمرادهم السفر المشروع إلى مسجده، وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التى تسمى زيارة لقبره، ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره، فهذا الإجماع /على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه.
ولكن ليس هذا إجماعًا على ما صرحوا بالنهى عنه، أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة. والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره؛ كالقاضى إسماعيل، والقاضى عياض، وغيرهما: أنه منهى عنه، لا يفعله لا نادر ولا متطوع، وصرحوا بأن السفر إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهى عنه ليس له أن يفعله، وإن نذره، سواء سافر لزيارة أى نأبي من الأنبياء، أو قبر من قبورهم، أو قبور غيرهم، أو مسجد غير الثلاثة؛ فهذا كله عندهم من السفر المنهى عنه، فكيف يقولون: إنه قربة، ولكن الإجماع على تحريم اتخاذه قربة لا يناقض النزاع في الفعل المجرد.
وهذا الإجماع المحكى عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن وجد، ولكن إن وجد أن أحدا من الصلحاء المعروفين من السلف قال: إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، كان هذا قادحا في هذا الإجماع، ويكون في المسألة ثلاثة أقوال، ولكن الذى يحكى الإجماع لم يطلع على هذا القول، كما يوجد ذلك كثيرا لكثير من العلماء، ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة، لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين.
/ فصل
ومنها: ظنه أن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس الزيارة المعهودة في قبر غيره، حتى يحتج عليها بزيارة البقيع، وشهداء أحد، وزيارة قبر أمه.
ومنها: أنه جعل من حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور مجاهرا بالعداوة للأنبياء، مظهرا لهم العناد. ومعلوم أن هذا قول أكثر المتقدمين: كمالك وأكثر أصحابه، والجوينى أبي محمد، وغيره من أصحاب الشافعي، وأكثر متقدمى أصحاب أحمد. فيلزمه أن يكون إمامه مالك وغيره من أئمة الدين مجاهرين للأنبياء بالعداوة، معاندين لهم. وهذا لو قاله فيما أخطؤوا فيه لاستحق العقوبة البليغة؛ فكيف إذا قاله فيما اتبعوا فيه الرسول، واتبعوا فيه سنته الصحيحة، فحرموا ما حرم. فقد جعل المطيع لله ورسوله الذى رضى الله ورسوله وأنبياؤه عمله مجاهرا لهم بالعداوة، معاندا لهم. فكفر من حكم الله ورسوله بإيمانه.
ومثل هذا يبين له الصواب، وأن هذا القول هو الذى جاء به / الرسول، وكان عليه السابقون الأولون من الأمة وأئمتها، وعليه دل الكتاب والسنة، فإذا تبين له أن هذا هو الذى جاء به الرسول ثم أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وكذلك إذا تبين أن هذا القول ليس بكفر، بل هو مما اتفق المسلمون على أنه قول سائغ، وقائله مجتهد مأجور على اجتهاده، سواء أصاب أو أخطأ، فإذا أصر على تكفير من تبين بالكتاب والسنة والإجماع أنه لا يكفر، وتبين له أنه يكفر، فأصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل