الصفحة 442 من 1087

وسلم الصحيحة الصريحة توافقهم، وهذا يستلزم معاداة الله ورسوله؛ إذ كان من عادى سنته وشريعته ودينه فقد عاداه، ومن عادى شخصا لأجل ذلك فإنما عادى الرسول في الحقيقة وإن لم يقصد ذلك. فكيف يجوز الكذب والافتراء مرة بعد مرة؟! وهو كذب ظاهر. ولو كان المجيب مخطئا لما جاز ذلك؛ فإن الكذب والافتراء حرام مطلقا، والله أوجب الصدق والعدل لكل أحد على كل أحد في كل حال.

فكيف إذا كان ما ذكره المجيب من الأقوال هى أقوال المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم، والمعترض القادح فيهم وفيما قالوه الشاتم المكفر لمن آمن بالرسول وأطاعه واتبعه على نفس ما هو متابعة للرسول وإيمان به، قوله هذا المتضمن عداوة الرسول، وعداوة ما جاء به، وعداوة من اتبعه، وإن لم يكن عالما بما تضمنه قوله. فقوله مع عدم العلم من جنس أقوال المحادين لله ولرسوله، الموالين لأهل / الإفك والشرك، المضاهين للنصارى وأمثالهم، مع أنهم لا يعلمون أن قولهم يتضمن ذلك؛ لقلة العلم، وسوء الفهم، والبعد عن أهلية الاجتهاد، والاستدلال بالأدلة الشرعية، ومعرفة ما قاله أئمة الدين.

بل هم في مثل هذه المسألة العظيمة يتكلمون بأنواع من الكلام صاحبها إلى الاستتابة والتعزير والتعليم والتفهيم أحوج منه إلى الرد عليه والمناظرة له، كما يوجد في جهال أهل البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم من يسارع إلى تكفير من اتبع الرسول من السلف؛ لقلة علمه، وسوء فهمه لما جاء به الرسول. فهم مبتدعون بدعة بجهلهم، ويكفرون من خالفهم.

وأهل السنة والعلم والإيمان يعرفون الحق، ويتبعون سنة الرسول، ويرحمون الخلق، ويعدلون فيهم، ويعذرون من اجتهد في معرفة الحق فعجز عن معرفته؛ وإنما يذمون من ذمه الله ورسوله، وهو المفرط في طلب الحق لتركه الواجب، والمعتدى المتبع لهواه بلا علم، لفعله المحرم. فيذمون من ترك الواجب، أو فعل المحرم، ولا يعاقبونه إلا بعد إقامة الحجة عليه، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، لاسيما في مسائل تنازع فيها العلماء، وخفي العلم فيها على أكثر الناس، ومن كان لا يتكلم بطريقة أهل /العلم بل جازف في القول بلا علم.

فصاحب هذا الكلام لا يصلح للمناظرة، إلا كما يناظر جهال العوام المبتدعين، المضاهين للمشركين والنصارى، فإنهم يجعلون من قال الحق في المخلوق سابا له شاتمًا، وهم يسبون الله ويشتمونه ويؤذونه، ولا يخافون من سب الخالق وشتمه وأشرك به ما يخافونه من قول الحق في حق المخلوق، كما قال الخليل لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81، 82] ، وكما قال تعالى عن المشركين: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء: 36] ، فلا يغضبون من ذكر الرحمن بالباطل كما يغضبون من ذكر آلهتهم بالحق. وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفي بِاللّهِ وَكِيلًا لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 171، 172] .

وقد ذكر أهل التفسير: أن النصارى ـ نصارى نجران ـ / لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد، لم تذكر صاحبنا؟ قال: (ومن صاحبكم؟) . قالوا: عيسى. قال: (وأى شىء أقول له؟ هو عبد الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت