فهرس الكتاب
قالوا: بل هو الله. فقال: (إنه ليس بعار عليه أن يكون عبدا لله) . فقالوا: بلى. فأنزل الله هذه الآية، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله؛ يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم) ، وفي الصحيحين ـ أيضا ـ أنه قال: (يقول الله: شتمنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك، وكذبنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك. فأما شتمه إياى فقوله: إنى اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذى لم ألد ولم أولد. ولم يكن لى كفوا أحد. وأما تكذيبه إياى فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته) ، وكان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: لا ترحموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر.
فهؤلاء ينتقصون الخالق ويأنفون أن يذكر المخلوق بما يستحقه ويجعلون ذلك تنقيصا له، وإنما هو إعطاؤه حقه، وخفض له عن درجة الإلهية التى لا يستحقها إلا الله، وهذه حال من أشبههم من بعض الوجوه.
ومنها: ظنه أن كل ما كان قربة جاز التوسل إليه بكل وسيلة، /وهذا من أظهر الخطأ.
ومنها: ظنه أن القول بتحريم السفر لم يقل به أحد من أهل العلم، بل إنما نقله المجيب إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه، ولا يعتد بخلافه. وهو نص مالك الصريح في خصوص قبر الرسول، ومذهب جمهور أصحابه، وجمهور السلف والعلماء.
ومنها: زعمه أن الذين حكى المجيب قولهم ـ وهم الغزالى وابن عبدوس وأبو محمد المقدسى ـ لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ومثل هذا الكلام لا يقال في أحد من الأئمة الكبار، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب الشرع، فكيف يسوغ أن يقال في مثل هؤلاء؟!
ومنها: أنه لما أراد أن يثبت أن النبي يسمع من القرب، ويبلغ الصلاة والسلام من البعد، لم يذكر ما في ذلك من الأحاديث الحسان التى في السنن، بل إنما اعتمد على حديث موضوع (من صلى على عند قبرى سمعته، ومن صلى على نائيا بلغته) . وهذا إنما يرويه محمد بن مروان السدى، عن الأعمش. وهو كذاب بالاتفاق. وهذا الحديث موضوع على الأعمش بإجماعهم.
ثم قد غير لفظه. ففي النسخة التى رأيتها مصححا: (ومن / صلى على نائيا سمعته) ، وإنما لفظه: [بلغته] وهكذا ذكره القاضى عياض عن مسند بن أبي شيبة، وهو نقل منه. ومن يحتج بمثل هذا الحديث الموضوع ويعرض عن أحاديث أهل السنن الحسان فهو من أبعد الناس عن أهل العلم والعرفان. وإذا كان قد حرف لفظه فهو ظلمات بعضها فوق بعض، من جنس فعل الملاحدة في قوله: (أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل) الحديث، فهو كذب موضوع. ومع هذا فحرفوا لفظه، فقالوا: أول بالضم، ولفظه: (أول ما خلق) بالنصب على الظرف، كما رروي: (لما خلق) .
ومنها: أنه احتج بإجماع السلف والخلف على زيارة قبره، وظن أن الجواب يتضمن النهى عما أجمع عليه، وقد صرح في الجواب بأن السفر إلى مسجده طاعة مجمع عليها، وكذلك ما تضمنه مما يسمى بزيارة لقبره من الأمور المستحبة؛ مثل الصلاة عليه، والسلام عليه، والدعاء له بالوسيلة وغيرها، والشهادة له، والثناء عليه بما فضله الله به، ومحبته، وموالاته، وتعزيره، وتوقيره، وغير ذلك مما قد يدخل في مسمى الزيارة، فهذا كله مستحب. والمجيب يصرح باستحباب ذلك، وقد تنازع العلماء: هل يسمى هذا زيارة؟ وذكر تنازع العلماء فيما تنازعوا فيه من ذلك، وإجماعهم على ما أجمعوا عليه، فذكر جواز ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده وزيارة قبره، وذكر بعض ما / تنوزع فيه من ذلك. وهذا ظن أن السفر إلى زيارة نبينا كالسفر إلى غيره من الأنبياء والصالحين، وهو غلط من وجوه: