فهرس الكتاب
أحدها: أن مسجده عند قبره، والسفر إليه مشروع بالنص والإجماع، بخلاف غيره.
والثانى: أن زيارته كما يزار غيره ممتنعة، وإنما يصل الإنسان إلى مسجده، وفيه يفعل ما شرع له.
الثالث: أنه لو كان قبر نبينا يزار كما تزار القبور لكان أهل مدينته أحق الناس بذلك، كما أن أهل كل مدينة أحق بزيارة من عندهم من الصالحين، فلما اتفق السلف وأئمة الدين على أن أهل مدينته لا يزورون قبره، بل ولا يقفون عنده للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا. وإن لم يسم هذا زيارة بل يكره لهم ذلك عند غير السفر، كما ذكر ذلك مالك، وبين أن ذلك من البدع التى لم يكن صدر هذه الأمة يفعلونه، علم أن من جعل زيارة قبره مشروعة كزيارة قبر غيره فقد خالف إجماع المسلمين.
الرابع: أنه قد نهى أن يتخذ قبره عيدا، وأمر الأمة أن تصلى عليه وتسلم حيثما كانت، وأخبر أن ذلك يبلغه. فلم يكن تخصيص البقعة بالدعاء له مشروعا، بل يدعى له في جميع الأماكن، وعند كل / أذان، وفي كل صلاة، وعند دخول كل مسجد، والخروج منه، بخلاف غيره. وهذا لعلو قدره، وارتفاع درجته، فقد خصه الله من الفضيلة بما لم يشركه فيه غيره؛ لئلا يجعل قبره مثل سائر القبور، بل يفرق بينهما من وجوه متعددة، ويبين فضله على غيره، وما من الله به على أمته.
ومنها: أنه قال: لم يلزم من دعواه بأن ذلك مجمع على تحريمه أن يكون السادة الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين للإجماع خارقين مصرين على تقرير الحرام، مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز عليه الإقدام، مجمعين على الضلالة، سالكين طريق العماية والجهالة.
وفي هذا الكلام من الجهل بالشريعة، وما أجمع عليه المسلمون، والتسوية بين عبادة الرحمن ـ التى أجمع عليها أهل الإيمان ـ وبين عبادة الأوثان التى أجمعوا على تحريمها وغير ذلك، مما يبين اشتمال هذا الكلام على أنواع من مخالفة دين الإسلام، ولو كان صاحبه ممن يفهم ما قال ولوازمه لكان مرتدا يجب قتله، لكنه جاهل قد يتكلم بما لا يتصوره ويتصور لوازمه.
فيقال له ولأمثاله ـ ممن ظن أن في الجواب ما يخالف الإجماع ـ: /الذى أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا، قرنا بعد قرن: هو السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه فيه، ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله من الأعمال المتضمنة لعبادة الله وحده، والقيام بحق رسوله من أفضل العبادات لله، كشهادتنا له، وثنائنا عليه. وصلاتنا وسلامنا عليه من أفضل ما عبدنا الله به، وهذا ونحوه هو المشروع في مسجده، سواء سمى زيارة لقبره أو لم يسم.
فإن لفظ الزيارة لقبره واستحباب ذلك لا يعرف عن أحد من الصحابة، بل المنقول عن ابن عمر ومن وافقه؛ السلام عليه هناك، والصلاة. وهم لا يسمون هذا زيارة لقبره، فكيف بالذين لم يكونوا يقفون عند القبر بحال؟! وهم جمهور الصحابة.
وأما ما ابتدعه بعض الناس من الشرك والبدع وسمى ذلك [زيارة لقبره] ، فهو من جنس الزيارة البدعية التى تفعل عند قبر غيره، ليس هو من الزيارة الشرعية.
وأما ما يدخل في الأعمال الشرعية، فهذا هو المستحب بسنته الثابتة عنه، وبإجماع أمته. ثم من أئمة العلم من لا يسمى هذا [زيارة لقبره] بل يكره هذه التسمية؛ فضلا عن أن يقول: إن ذلك سفر إلى قبره. وقد صرح من قال ذلك مثل مالك وغيره بأن المسافر إلى هناك إذا / كان مقصوده القبر أنه سفر منهى عنه، داخل في قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ، وأن السفر الذى هو طاعة وقربة أن يقصد السفر لأجل الصلاة في المسجد، وأنه لو نذر أن يسافر إلى المدينة لغير الصلاة في المسجد، فإنه ينهى عن الوفاء بنذره؛ لأنه نذر معصية.