الصفحة 445 من 1087

فإذا كان هذا من قولهم معروفا في الكتب الصغار والكبار، فكيف يظن أن السفر لمجرد زيارة القبور هو مجمع عليه بين الأئمة. وطائفة أخرى من العلماء يسمون هذا زيارة لقبره. ويقولون: تستحب زيارة قبره، أو السفر لزيارة قبره، ومقصودهم بالزيارة هو مقصود الأولين، وهو السفر إلى مسجده، وأن يفعل في مسجده ما يشرع من الصلاة والسلام عليه، والدعاء له والثناء عليه، وهذا عندهم يسمى زيارة لقبره مع اتفاق الجميع على أن أحدا لا يزور قبره الزيارة المعروفة في سائر القبور؟! فإن تلك قبور بارزة يوصل إليها، ويقعد عندها، أو يقام عندها ويمكن أن يفعل عندها ما يشرع؛ كالدعاء للميت، والاستغفار له، وما ينهى عنه؛ كدعائه، والشرك به، والنياحة عند قبره، والندب. فهذا هو المفهوم من [زيارة القبور] .

والرسول دفن في بيته في حجرته، ومنع الناس من الدخول إلى هناك، والوصول إلى قبره، فلا يقدر أحد أن يزور قبره كما يزور قبر غيره؛ لا زيارة شرعية، ولا بدعية، بل إنما يصل جميع الخلق / إلى مسجده، وفيه يفعلون ما يشرع لهم، أو ما يكره لهم. والسفر إلى مسجده ـ لما شرع ـ سفر طاعة وقربة بالإجماع؛ وهو الذى أجمع عليه المسلمون.

والمجيب قد ذكر استحباب هذا السفر، وأنه يستحب بالنص والإجماع في مواضع كثيرة، وقد ذكر ذلك في هذا الجواب، وبين ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية، وبين ما لم يشرع من السفر إلى زيارة قبر غيره مما في قبور الأنبياء والصالحين؛ فإن السفر إلى هناك ليس هو سفر إلى مسجد شرع السفر إليه، بل المساجد التى هناك إن كانت مما يشرع بناؤه والصلاة فيه ـ كجوامع المسلمين التى في الأمصار ـ فهذه ليس السفر إليها قربة ولا طاعة، لا عند الأئمة الأربعة، ولا عامة أئمة المسلمين. والسفر إليها داخل في قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) باتفاق الناس؛ فإن هذا استثناء مفرغ. والتقدير فيه أحد أمرين:

إما أن يقال: (لا تشد الرحال) إلى مسجد (إلا المساجد الثلاثة) فيكون نهيًا عنها باللفظ، ونهيًا عن سائر البقاع التى يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحروي وطريق الأولى؛ فإن المساجد والعبادة فيها أحب إلى اللّه من العبادة في تلك البقاع بالنص والإجماع، فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه، فالسفر إلى المفضولة / أولى وأحرى.

وكذلك من جعل معنى الحديث: لا يستحب السفر إلا إلى الثلاثة. إن جعل معناه: لا يجب إلا إلى الثلاثة وأراد به الوجوب بالنذر ـ كما ذكر ذلك طائفة ـ فهؤلاء يقولون: ما سروي الثلاثة لا يستحب السفر إليه، ولا يجب بالنذر. ومن حمل معنى الحديث على نفي الاستحباب أو نفي الوجوب بالنذر فقولهما واحد في المعنى، فإذا لم يجب بالنذر إلا هذه الثلاثة فقد وجب بالنذر السفر إلى المسجدين، وليس واجبًا بالشرع. فعلم أن وجوبه لكونه مستحبًا بالشرع. فإذا لم يوجب إلا هذان مما ليس واجبًا بالشرع علم أنه ليس مستحبًا إلا هذان. وقد بسط هذا في موضع آخر.

وإما أن يقال: التقدير: لا تسافروا إلي بقعة ومكان غير الثلاثة. أو يكون المعني: لا يستحب إلي مكان غير الثلاثة، وهو معني كل من قال: لايجب بالنذر إلي غير الثلاثة، أي: لا تسافروا لقصد ذلك المكان والبقعة بعينه؛ بحيث يكون المقصود والعبادة في نفس تلك البقعة، كالسفر إلي المساجد الثلاثة، بخلاف السفر إلي الثغور، فإن المقصود السفر إلي مكان الرباط.

و [الثغر] قد يكون مكانًا ثم يفتح المسلمون ما جاورهم فينتقل /الثغر إلي حد بلاد المسلمين؛ ولهذا يكون المكان تارة ثغرًا، وتارة ليس بثغر؛ كما يكون تارة دار إسلام وبِرٍّ، وتارة دار كفر وفسق؛ كما كانت مكة دار كفر وحرب، وكانت المدينة دار إيمان وهجرة ومكانًا للرباط، فلما فتحت مكة صارت دار إسلام، ولم تبق المدينة دار هجرة ورباط كما كانت قبل فتح مكة، بل قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت