الصفحة 446 من 1087

قال صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) ، وصارت الثغور أطراف أرض الحجاز المجاورة لأرض الحرب؛ أرض الشام، وأرض العراق. ثم لما فتح المسلمون الشام والعراق صارت الثغور بالشام سواحل البحر؛ كعسقلان، وعكة، وما جاور ذلك. وبالعراق عبادان ونحوها؛ ولهذا يكثر ذكر [عسقلان] ، و [عبادان] في كلام المتقدمين؛ لكونهما كانا ثغرين، وكانت أيضًا [طرطوس] ثغرا لما كانت للمسلمين، ولما أخذها الكفار صار الثغر ما يجاور أرض العدو من البلاد الحلبية.

فالمسافر إلي الثغور أو طلب العلم أو التجارة أو زيارة قريبه، ليس مقصوده مكانًا معينًا إلا بالعرض إذا عرف أن مقصوده فيه، ولو كان مقصوده في غيره لذهب إليه. فالسفر إلي مثل هذا لم يدخل في الحديث باتفاق العلماء، وإنما دخل فيه من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه، كالذي يسافر إلي المساجد، وآثار الأنبياء: كالطور الذي كلم اللّه /عليه موسي، وغار حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء على الرسول، وغار ثَوْر المذكور في القرآن في قوله: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] ، وما هو دون ذلك من المغارات والجبال؛ كالسفر إلي جبل لبنان، ومغارة الدم، ونحو ذلك. فإن كثيرًا من الناس يسافر إلي ما يعتقد فضله من الجبال والغيران. فإذا كان الطور الذي كلم اللّه عليه موسي وسماه البقعة المباركة والوادي المقدس لا يستحب السفر إليه، فغير ذلك من الجبال أولي ألا يسافر إليه.

وقولي: بالإجماع؛ أعني به إجماع السلف والأئمة؛ فإن الصحابة كابن عمر وأبي سعيد وأبي بصرة وغيرهم فهموا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلي ثلاثة مساجد) أن الطور الذي كلم اللّه عليه موسي، وسماه: [الوادي المقدس] و [البقعة المباركة] داخل في النهي، ونهوا الناس عن السفر إليه، ولم يخصوا النهي بالمساجد. ولهذا لم يوجب أحد ذلك بالنذر، وما علمت في هذا نزاعا قديمًا، ولا رأيت أحدًا صرح بخلاف ذلك؛ إلا ابن حزم الظاهري، فإنه يحرم السفر إلي مسجد غير الثلاثة إذا نذره كقول الجمهور، وإذا نذر السفر إلي أثر من آثار الأنبياء أوجب الوفاء به؛ لأنه لا يقول بفحوي الخطاب وتنبيهه، وهذا هو إحدي الروايتين عن داود، فلا يجعل قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: 23] دليلا على النهي عن السب والشتم /والضرب، ولا نهيه عن أن يبال في الماء الدائم ثم يغتسل فيه نهيًا عن صب البول ثم الاغتسال فيه، وجمهور العلماء يرون أن مثل هذا من نقص العقل والفهم، وأنه من [باب السفسطة] في جحد مراد المتكلم، كما هو مبسوط في موضع آخر.

وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه، ويقال: إن عبد المطلب سن لهم ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يتحنث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أولا، لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك، ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة. وبعد الهجرة أتي مكة مرارًا في عمرة الحديبية، وعام الفتح، وأقام بها قريبًا من عشرين يومًا، وفي عمرة الجِعْرَانة، ولم يأت غار حِرَاء، ولا زاره. فإذا كان هذا الغار لا يسافر إليه ولا يزار فغيره من المغارات كمغارة الدم ونحوها أولي ألا تزار. فإن العبادات بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كالصلاة والذكر والدعاء مشروعة في كل مكان جعلت الأرض كلها له ولأمته مسجدًا وطهورًا.

والأماكن المفضلة هي المساجد، وهي أحب البقاع إلي اللّه؛ كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها الاعتكاف،/ فلا يكون الاعتكاف إلا في المساجد باتفاق العلماء، كما قال تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، لا يكون الاعتكاف لا بخلوة ولا غير خلوة، لا في غار ولا عند قبر، ولا غير ذلك مما يقصد الضالون السفر إليه والعكوف عنده،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت