الصفحة 447 من 1087

كعكوف المشركين على أوثانهم. قال الخليل: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] ، وقال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَي اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138، 139] . وبسط هذا له موضع آخر.

وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه قال: من نذر أن يعتكف في مسجد إيليا فاعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنه لا ينبغي له ذلك، ليعتكف في مسجد جماعة. وهذا الذي نهي عنه سعيد متفق عليه عند عامة العلماء، وإن قدر أن الرجل لا يسمي ذلك اعتكافا، فمن فعل ما يفعل المعتكف في المسجد فهو معتكف في غير المسجد، وذلك منهي عنه بالاتفاق. وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا أن السفر إلي غير المساجد الثلاثة من قبر، وأثر/ نبي، ومسجد وغير ذلك: ليس بواجب ولا مستحب بالنص والإجماع، والسفر إلي مسجد نبينا مستحب بالنص والإجماع، وهو مراد العلماء الذين قالوا: تستحب زيارة قبره بالإجماع. فهذا هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المجتهدين، وللّه الحمد. والمجيب قد ذكر استحباب هذا بالنص والإجماع، فكلام المجيب يبين أنه متبع للصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين، وأنهم منزهون عن تقرير الحرام، أو خرق الإجماع، منزهون أن يجمعوا على ضلالة، أو يسلكوا طريق العماية والجهالة.

وهذا المعترض وأشباهه من الجهال سووا بين هذا السفر الذي ثبت استحبابه بنص الرسول وإجماع أمته، وبين السفر الذي ثبت أنه ليس مستحبًا بنص الرسول وإجماع أمته. وقاسوا هذا بهذا، والمجيب إنما ذكر القولين في النوع الثاني: في الذي لا يسافر إلا لقصد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وذكر أن الذي يسافر إلي مسجد الرسول وزيارته الشرعية يتسحب السفر إليه بالنص والإجماع. فحكوا عن المجيب أنه ينهي عن زيارة قبر الرسول والسفر إليه، ويحرم ذلك، ويحرم قصر الصلاة فيه، بحيث جعلوه ينهي عما يفعله الحجاج من السفر إلي مسجده، وأن من سافر إلي هناك لا يقصر الصلاة، وهذا كله افتراء وبهتان.

/وذلك أنه لا حجة لهم على السفر إلي سائر قبور الأنبياء إلا السفر إلي نبينا. فلما كان السفر إلي ذلك المكان مشروعا في الجملة قاسوا عليه السفر إلي سائر القبور، فضلوا، وأضلوا، وخالفوا كتاب اللّه وسنة رسوله وإجماع المسلمين. وضلوا من وجوه كثيرة.

منها: أنه ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا، وما سواه ففيه نزاع.

ومنها: أن الذين استحبوا السفر إلي زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلي مسجده، وهذا مشروع بالإجماع، ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلي المسجد، والمسجد منتهي سفره، لا يصل إلي القبر، بخلاف غيره فإنه يصل إلي القبر؛ إلا أن يكون متوغلا في الجهل والضلال، فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر، وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة، وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على غيره، أو يظن أن المسجد بني أو جعل تبعا للقبر، كما تبني المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، ويظن أن الصلاة في المسجد تبع، والمقصود هو القبر، كما يظن المسافرون إلي قبور الأنبياء والصالحين غير قبر نبينا، وكما أن الذي يذهب إلي الجمعة يصلى إذا دخل تحية المسجد ركعتين، ولكن هو إنما جاء لأجل الجمعة، لا لأجل ركعتي التحية. فمن ظن هذا في مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين / الإسلام، وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه، وسيرته، وأقواله وأفعاله، وهذا محتاج إلي أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت