فهرس الكتاب
يدخل في الإسلام، ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه؛ فإن مسجده أسس على التقوي في السنة الأولي من الهجرة، وهو أفضل مسجد على وجه الأرض إلا المسجد الحرام. وقيل: هو أفضل مطلقا.
فهل يقول عاقل: إن مساجد المسلمين ـ مساجد الجوامع التي يصلى فيها الجمعة وغيرها ـ فضيلتها واستحباب قصدها للصلاة فيها لأجل قبر عندها. فإذا لم يجز أن يقال هذا في مثل هذه المساجد فكيف يقال فيما هو خير منها كلها وأفضل.
والمسجد الحرام أفضل المساجد مطلقًا عند الجمهور، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، كما في المسند والسنن. فهل يقول عاقل: إن فضيلته لقبر هناك.
والمسجد الأقصي أفضل المساجد بعد المسجد النبوي، وببيت المقدس من قبور الأنبياء ما لا يحصيه إلا اللّه. فهل يقول عاقل: إن فضيلته لأجل القبور؟! نعم، هذا اعتقاد النصاري، يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل [الكنيسة] التي يقال: إنها بنيت على قبر المصلوب، ويفضلونها على بيت المقدس. وهؤلاء من أضل الناس وأجهلهم،/وهذا يضاهي ما كان المشركون عليه في المسجد الحرام لما كانت فيه الأوثان، وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التي فيه، لم يكونوا يصلون فيه، بل كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] ، لكن كانوا يعظمون نفس البيت، ويطوفون به، كما كانوا يحجون كل عام، مع ما كانوا غيروه من شريعة إبراهيم، حتى بعث اللّه محمدًا بالهدي ودين الحق، وأمره باتباع ملة إبراهيم، فأظهرها، ودعا إليها، وأقام الحج على ما شرعه اللّه لإبراهيم، ونفي الشرك عن البيت، وأنزل اللّه تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَإليوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَي أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17، 18] .
فبين أن عمار المساجد هم الذين لا يخشون إلا اللّه، ومن لم يخش إلا اللّه فلا يرجو ويتوكل إلا عليه، فإن الرجاء والخوف متلازمان.
والذين يحجون إلي القبور يدعون أهلها، ويتضرعون لهم، ويعبدونهم، ويخشون غير اللّه، ويرجون غير اللّه، كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ويرجونها؛ ولهذا لما قالوا لهود ـ عليه السلام: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ على اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 54: 56] ، ولما حاجوا إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال لهم: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ علىكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 80: 82] ، ولما خوفوا محمدا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بمن دون اللّه قال اللّه تعالى: {إليسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ إليسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عليه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 36: 38] ، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ ّ} [الأعراف: 195، 196] .
فَصْل