الصفحة 449 من 1087

في الجواب عما كتب على نسخة جواب الفتيا، وبيان بطلان ذلك، وأن الحكم به باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة، قد بسطت في غير هذا الموضع. وهي خمسون وجهًا: تبين بطلان ما كتب به، وبطلان الحكم به.

الأول: أنه نقل عن الجواب ما ليس فيه، ورتب الحكم على ذلك النقل الباطل. ومثل هذا باطل بالإجماع؛ فإنه نقل أن المجيب قال: إن زيارة الأنبياء بدعة، أو أنه ذكر نحو ذلك، والمجيب لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك عن أحد من العلماء، وإنما في الجواب ذكر قول العلماء فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين: هل يحرم هذا السفر، أو يجوز، وأن الطائفتين اتفقوا على أنه غير مستحب، والطائفتان لم يقولا ذلك في الزيارة المطلقة، بل جمهورهم يقولون: إن زيارة القبور مستحبة، وهذا هو الصحيح، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولكن لا يقولون: إنه يستحب السفر إليها، كما اتفق المسلمون على أنه يشرع إتيان المساجد غير المساجد الثلاثة، وأن إتيانها /قد يكون فرضًا، وقد يكون سنة؛ مثل إتيانها للجمعة والجماعة. واتفقوا على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بفرض ولا سنة، فهكذا زيارة القبور على الوجه الشرعي مستحبة، وهي سنة، والسفر إلى ذلك ليس بفرض ولا سنة عند الطائفتين.

والمجيب لم يذكر لنفسه في الجواب قولًا، بل حكي أقوال علماء المسلمين، وأدلتهم، وهؤلاء نقلوا عنه ما لم يقله، واستدلوا بما لا ينازع فيه، وأخطؤوا فيما نقلوه وفهموه من كلام من نقل الإجماع، وفيما استدلوا به عليه، وذلك من وجوه كثيرة جدًا، ولكن مقصود هذا الوجه: أن الذي كتب على الجواب نقل عنه أنه هو القائل، وأنه قال: إن زيارة الأنبياء بدعة، وهذا باطل عنه. والحكم المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع.

الوجه الثاني: أن الطائفتين من علماء المسلمين اتفقوا على أن السفر لمجرد زيارة القبور ليس بفرض ولا سنة، وهؤلاء جعلوا السفر إلى زيارة القبور سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسن لأمته السفر لذلك، ولا قال علماء شريعته: إن السفر إليها سنة. فقد حكموا بما يخالف السنة والإجماع، وهذا الحكم باطل بالإجماع. وذلك أن المجيب ذكر القولين ـ فيمن لم يسافر إلا إلى القبور، ولم يقصد مع ذلك المسجد ـ قول من جوز ذلك ولم يستحبه /وقول من حرمه. وهم لم يقتصروا على رد أحد القولين، فإن هذا لا يناقض ما ذكره المجيب، بل قالوا: وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوي الباطلة عند العلماء، ومتي ما بطل ما ذكره في الجواب بالقولين، تعين جعل السفر سنة مستحبة.

وأيضًا، فإنهم احتجوا بنقل من نقل الإجماع على استحباب السفر الذي ذكر فيه القولين.

الثالث: أنهم احتجوا بنقل من نقل من العلماء أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة مرغب فيها وسنة مجمع عليها. وهؤلاء نقلوا الإجماع على الزيارة، لا على السفر لمجرد القبر. ولو نقلوا الإجماع على السفر للزيارة فمعلوم أن المسلمين يقصدون المسجد والقبر، لا يقصد القبر دون المسجد إلا جاهل، وإذا قصد الزائر المسجد والقبر جميعًا فالمجيب لم يذكر القولين في هذه الصورة، وإنما ذكرهما فيمن لم يسافر إلا لمجرد زيارة القبور، والجواب لم يكن في خصوص قبر النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان في جنس القبور. وجعلوا ذلك إجماعًا على السفر إلى سائر قبور الأنبياء، فإن المجيب فرق بين الزيارة النبوية الشرعية التي أجمع المسلمون على استحبابها، وبين ما أجمعوا على أنه لا يستحب، وما تنازعوا فيه، وما نقلوه من الإجماع وإن كان عندهم لا يدل على مثل ما ذكره المجيب لم يكن حجة عليه، وهم جعلوه حجة /على بطلان الجواب، وذلك إنما يكون إذا قيل باستحباب السفر مطلقًا فغلطوا على من نقل الإجماع فلم يفهموا مراده، وحكموا بناء على هذا الاعتقاد الباطل، ومثل ذلك باطل بالإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت