الصفحة 450 من 1087

الرابع: أنهم جعلوا هذا النقل مخالفًا للجواب، وليس مخالفًا له، بل المفتي قد ذكر في الجواب استحباب العلماء لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحك عن أحد أنه قال: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم محرمة، والحكم المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع.

الخامس: أن هؤلاء جعلوا جنس الزيارة مستحبًا بالإجماع، ولم يفصلوا بين المشروع والمحرم، والزيارة بعضها مشروع وبعضها محرم بالإجماع، كما ذكر ذلك في جواب الفتيا، وهم أنكروا هذا التفصيل، وهذا مخالف للإجماع والحكم به باطل بالإجماع. فإن المجيب لم ينكر السفر للزيارة الشرعية بالإجماع، بل بين في الجواب ما أجمع عليه المسلمون من السفر، ومن الزيارة. وهذا مبسوط في مواضع كثيرة من كلامه، مشهور عنه. وذكر ما تنازعوا فيه، وما اتفقوا على النهي عنه. فلو وافقوا على التفصيل لم ينكروا الجواب، فلما جعلوا الجواب باطلا عند العلماء تبين أنهم لم يفصلوا.

/السادس: أن الزيارة ثلاثة أنواع: نوع اتفق العلماء على استحبابه، ونوع اتفقوا على النهي عنه، ونوع تنازعوا فيه. وفي الجواب ذكر الأنواع الثلاثة. وهؤلاء لم يفصلوا بين ما أجمع عليه وبين ما تنازع العلماء فيه، ولا ذكروا أن ما تنازع فيه العلماء يرد إلى الله والرسول، بل جعلوه مردودًا بمجرد قولهم، وهذا باطل بالإجماع. والحكم بذلك باطل بالإجماع. والمجيب إنما ذكر اتفاق الطائفتين على أن السفر غير مستحب إذا سافر لمجرد زيارة قبر بعض الأنبياء والصالحين، وهذا منتف في الغالب في قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن من هو عارف بشريعة الإسلام لابد أن يقصد المسجد مع القبر، لاسيما مع علمه بأنه صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام) . ولهذا احتج طائفة من العلماء على استحباب زيارة قبره بهذا الحديث. وهذه الزيارة التي يفعلها من يعلم الشريعة لم يذكر المجيب أنها لا تستحب بالإجماع. وكيف يقول ذلك واستحبابها موجود في كلام العلماء؟!

السابع: أن الإجماع على أن الزيارة سنة وفضيلة ليس هو إجماعًا على كل ما يسمي زيارة، ولا على هذا اللفظ، بل هو إجماع على ما شرعه الله من حقوقه في مسجده. وهل يكره أن يسمي ذلك زيارة لقبره على قولين. وكثير مما يسمي زيارة لقبره فيه نزاع أو هو منهي /عنه بالإجماع، وهؤلاء جعلوا الإجماع متناولا لما تنازع العلماء فيه، واحتجوا بالإجماع في موارد النزاع، وهذا خطأ.

الثامن: أن ما تنازع فيه العلماء يجب رده إلى الله والرسول، وهؤلاء لم يردوه إلى الله ولا إلى الرسول، بل قالوا: إنه كلام باطل مردود على قائله بلا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا باطل بالإجماع.

التاسع: أن الذين حكوا الإجماع على استحباب السفر لمجرد زيارة القبر بل الإجماع، إنما هو على استحباب السفر إلى مسجده. وأما السفر لمجرد القبر فهذا فيه النزاع المشهور. وما فيه نزاع يجب رده إلى الله والرسول، وهؤلاء لم يردوا ما تنازع العلماء فيه إلى الله والرسول، بل ادعوا فيه الإجماع وغلطوا على من حكوا عنه الإجماع، ومن زجر عن قول لكونه مخالفًا للإجماع ولم يكن مخالفًا للإجماع كان هو المخطئ بالإجماع.

العاشر: أن ما لا إجماع فيه يجب رده إلى الله والرسول بالإجماع، وإن احتج فيه بالكتاب والسنة كان هو المصيب، والجواب فيه ذكر النزاع والاحتجاج بالكتاب والسنة في موارد النزاع، وهؤلاء جعلوا ذلك مردودًا، ولم يردوه إلى الله والرسول، بل ردوا على من احتج /بالكتاب والسنة في مسائل النزاع، وحكموا بهذا الرد المخالف للإجماع. والحكم بمثل ذلك باطل بالإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت