الصفحة 451 من 1087

الحادي عشر: أن الذي ذكر في الفتيا ما أجمع عليه كالزيارة المستحبة، وما أجمعوا على النهي عنه، وما تنازعوا فيه، وهذا أقصي ما يكون عند المفتين. وهؤلاء جعلوا ذلك من الفتاوي الباطلة عند العلماء، وهذا التفصيل ليس باطلا عند أحد من علماء المسلمين، وهم جعلوه باطلا، وحكموا بذلك، ومثل هذا الحكم باطل بالإجماع.

الثاني عشر: أن ما تنازع فيه العلماء ليس لأحد من القضاة أن يفصل النزاع فيه بحكم، وإذا لم يكن لأحد من القضاة أن يقول: حكمت بأن هذا القول هو الصحيح، وأن القول الآخر مردود على قائله، بل الحاكم فيما تنازع فيه علماء المسلمين أو أجمعوا عليه، قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالمًا، وإن كان مقلدًا كان بمنزلة العامة المقلدين، والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالمًا مجتهدًا عالمًا مجتهدًا، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولاية والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين. فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدعي ذلك لنفسه، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله. فمن هو دون السلطان في الولاية أولي بألا يتعدي /طوره، ولا يقيم نفسه في منصب لا يستحق القيام فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ـ وهم الخلفاء الراشدون ـ فضلا عمن هو دونهم؛ فإنهم ـ رضي الله عنهم ـ إنما كانوا يلزمون الناس باتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم، وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: إنما بعثت عمالي ـ أي نوابي ـ إليكم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيئكم. بل هذه يتكلم فيها من علماء المسلمين من يعلم ما دلت عليه الأدلة الشرعية؛ والكتاب والسنة. فكل من كان أعلم بالكتاب والسنة فهو أولي بالكلام فيها من غيره، وإن لم يكن حاكمًا، والحاكم ليس له فيها كلام لكونه حاكمًا، بل إن كان عنده علم تكلم فيها كآحاد العلماء. فهؤلاء حكموا فيما ليس لهم فيه الحكم بالإجماع وهذا من الحكم الباطل بالإجماع.

الثالث عشر: أن الأحكام الكلية التي يشترك فيها المسلمون ـ سواء كانت مجمعًا عليها أو متنازعًا فيها ـ ليس للقضاة الحكم فيها، بل الحاكم العالم كآحاد العلماء يذكر ما عنده من العلم، وإنما يحكم القاضي في أمور معينة. وأما كون هذا العمل واجبًا أو مستحبًا أو محرمًا فهذا من الأحكام الكلية التي ليس لأحد فيها حكم إلا لله ورسوله. وعلماء المسلمين يستدلون على حكم الله ورسوله بأدلة ذلك. وهؤلاء حكموا في الأحكام الكلية، وحكمهم في ذلك / باطل بالإجماع.

الرابع عشر: أن الكلام في هذه المسائل الكلية، إنما يجوز لمن كان عالمًا بأقوال علماء المسلمين فيها، وما أجمعوا عليه، وما تنازعوا فيه، عالمًا بالكتاب والسنة، ووجه الاستدلال بهما. وكلام هؤلاء يتضمن أنهم لا يعرفون ما قاله علماء المسلمين في هذه المسائل، ولا يميزون بين ما أجمع عليه العلماء وتنازعوا فيه، ولا يعرفون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسائل، ولا يفرقون بين ما رغب فيه وما نهي عنه ولم يسنه، ولا يعرفون الأحاديث الصحيحة والضعيفة في هذا الباب، بل ولا يعرفون مذهبهم في هذه المسائل، ولا عندهم نقل عن الأئمة الأربعة، ولا العلماء المشهورين من أتباعهم فيما قالوه وحكموا به، بل هم فيه بمنزلة آحاد المتفقهة الطلبة الذين ينبغي لهم طلب علم هذه المسائل، بل لا يجوز لأحدهم أن يفتي فيها، ولا يناظر، ولا يصنف، فضلا عن أن يحكم. ومعلوم أن من كان كذلك وحكم فيما ليس له الحكم فيه كان حكمه محرمًا بالإجماع، فكيف إذا حكم فيما ليس له فيه الحكم، وحكم بخلاف الإجماع؛ فإن الحاكم إذا حكم بغير اجتهاد ولا تقليد كان حكمه محرمًا بالإجماع.

الخامس عشر: أن القاضي يجب أن يكون مجتهدًا عند بعض /العلماء، وعند بعضهم يجوز له التقليد للعلماء؛ وهؤلاء لو كانت هذه المسائل مما لهم فيه الحكم فهم لم يقلدوا ـ فيما قالوه ـ أحدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت