فهرس الكتاب
من أئمة المسلمين، فضلًا أن يكونوا فيه مجتهدين، بل حكموا بغير اجتهاد ولا تقليد، وهذا الحكم الباطل بالإجماع، ولو كان على يهودي عشرة دراهم معينة، فكيف إذا حكموا على علماء المسلمين في الأحكام الكلية التي لا حكم لهم فيها بالإجماع.
السادس عشر: لو كان لهم فيها الحكم وقد حكموا بالكتاب والسنة والإجماع، لم يكن لهم الحكم حتى يسمعوا كلام المحكوم عليه وحجته، ويعذروا إليه، وهل له جواب أم لا؟ فإن العلماء تنازعوا في الحقوق كالأموال هل يحكم فيها على غائب؟ على قولين. ومن جوز الحكم عليه قال: هو باق على حجته تسمع إذا حضر. فأما العقوبات والحدود فلا يحكم فيها على غائب، وهؤلاء حكموا على غائب في ذلك، ولم يمكنوه من سماع كلامه والإدلاء بحجته، وهذا لو كان على يهودي كان حكمًا باطلًا بالإجماع. ولهذا كان جميع الناس أهل العلم والدين والعقل ينكرون مثل هذا الحكم، ويعلمون أنه حكم بغير حق.
السابع عشر: أنه لو كان الحاكم خصمًا لشخص في حق من الحقوق لم يجز أن يحكم الحاكم على خصمه بإجماع المسلمين، وكذلك [المسائل العلمية] إذا تنازع حاكم وغيره من العلماء في تفسير آية أو / حديث أو بعض مسائل العلم لم يكن للحاكم أن يحكم عليه بالإجماع، فإنهما خصمان فيما تنازعا فيه، والحاكم لا يحكم على خصمه بالإجماع.
الثامن عشر: أن هذه المسائل منقولة في كتب أهل العلم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهؤلاء حكموا فيها بخلاف مذاهب الأئمة الأربعة ولم يعرفوا مذاهب أئمتهم، ولا مذاهب غيرهم من الأئمة والعلماء ولا ما دلت عليه السنة والآثار. ومعلوم أن مثل هذا الحكم باطل بالإجماع، ومن ادعي منهم أن الذي حكم به هو قول العلماء فليكتب خطه بذلك، وليذكر ما ذكره العلماء فيها من إجماع ونزاع وأدلة ذلك؛ ليتبين أن الذي يقول بخلاف جواب المفتي قولًا باطلًا، وإلا فقد علم أنهم حكموا بغير الحق، وهذا باطل بالإجماع.
التاسع عشر: أنه لو كان أحدهم عارفًا بمذهبه لم يكن له أن يلزم علماء المسلمين بمذهبه، ولا يقول: يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبي، وأنه أي مذهب خالف مذهبي كان باطلا، من غير استدلال على مذهبه بالكتاب والسنة. ولو قال: من خالف مذهبي فقوله مردود، ويجب منع المفتي به وحبسه لكان مردودًا عليه، وكان مستحقًا العقوبة على ذلك بالإجماع، فكيف إذا كان الذي حكم به ليس هو مذهب أحد من الأئمة الأربعة؟! بل الذي أفتي به المفتي هو موافق للإجماع، دون من أنكر قوله وخالف الإجماع.
/الوجه العشرون: أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوي أخطأ في مائة مسألة لم يكن ذلك عيبًا، وكل من سوي الرسول صلى الله عليه وسلم يصيب ويخطئ. ومن منع عالمًا من الإفتاء مطلقًا، وحكم بحبسه لكونه أخطأ في مسائل، كان ذلك باطلًا بالإجماع. فالحكم بالمنع والحبس حكم باطل بالإجماع. فكيف إذا كان المفتي قد أجاب بما هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول علماء أمته؟!
الحادي والعشرون: أن المفتي لو أفتي في المسائل الشرعية ـ مسائل الأحكام ـ بما هو أحد قولي علماء المسلمين، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة، وذكر أن هذا القول هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، دون القول الآخر ـ في أي باب كان ذلك، من مسائل البيوع، والنكاح، والطلاق، والحج، والزيارة، وغير ذلك ـ لم يكن لأحد أن يلزمه بالقول الآخر بلا حجة من كتاب أو سنة، ولا أن يحكم بلزومه، ولا منعه من القول الآخر بالإجماع. فكيف إذا منعه منعًا عامًا، وحكم بحبسه؟ فإن هذا من أبطل الأحكام بإجماع المسلمين.