الصفحة 454 من 1087

الأربعة ـ كالذي أفتي في هذه المسألة ـ مسألة الزيارة ـ فإن الذي قاله هو قول جميع أهل المذاهب الأربعة، بل وقول جميع علماء المسلمين قد ذكروا ما أجمعوا عليه وما تنازعوا فيه ـ وإما أن يكون ما أفتي به فيها قول بعض الأئمة الأربعة، أو بعض المنتسبين إليهم، كمسائل الطلاق، فإن مسائل النزاع فيها قد تنازع فيها أهل المذاهب الأربعة، والمفتي /المذكور لم يفت فيها إلا بما قاله بعضهم، وما يمكن الإفتاء فيها إلا بذلك. ومن أنكر ما لا يعلمه وحكم بلا علم وخالف النص والإجماع كان حكمه باطلا بالإجماع.

الحادي والثلاثون: أن قولهم: يحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره؛ ليتحفظ الناس من الاقتداء به. وإنما يستحق ذلك من أظهر البدعة في دين المسلمين، واستحبها، ودعا إليها الناس، وحكم بعقوبة من أمر بالسنة ودعا إليها، والسفر إلى زيارة القبور هي البدعة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين. وكذلك جعل زيارة القبور جنسًا واحدًا لا يفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية خطأ باتفاق المسلمين. وكذلك التسوية بين [الزيارة النبوية الشرعية] التي يسافر فيها المسلمون إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين السفر إلى زيارة قبر غيره، كل ذلك مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإجماع أمته. فمن أمر بذلك كان أحق بالمنع، ويشهر خطأه؛ ليتحفظ الناس من الاقتداء به، أولي ممن أفتي بالسنة والإجماع، مع أن الله ـ سبحانه ـ هو الفاعل لذلك، فهو الذي يظهر خطأ هؤلاء في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الزمان وما بعده من الأزمنة، كما فعله في سائر من ابتدع في الدين، وخالف شريعة سيد المرسلين. فإن المفتي ذكر في الجواب ما اتفق المسلمون على استحبابه /وما اتفقوا على النهي عنه. وما تنازعوا فيه، ولم ينه عن الزيارة مطلقًا، لا لفظًا، ولا معني. والإجماع الذي ذكروه هو موافق لما ذكره لا مخالف له. فالزيارة التي أجمع المسلمون عليها هو من أعظم القائلين باستحبابها، لا يجعل المستحب مسمي الزيارة ويسوي بين دين الرحمن ودين الشيطان، كما فعل هؤلاء، وأنكروا على من فرق بين دين الرحمن، ودين الشيطان.

الثاني والثلاثون: أن قبول قول الحاكم وغيره بلا حجة مع مخالفته للسنة مخالف لإجماع المسلمين، وإنما هو دين النصاري الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم) . والمسلمون متفقون على أن ما تنازعوا فيه يجب رده إلى الله والرسول، وهؤلاء لم يردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول، بل حكموا برده بقولهم، وهذا باطل بإجماع المسلمين.

وأيضًا، فحكموا بقول ثالث خلاف قولي علماء المسلمين فخرجوا وحكمهم عن إجماع المسلمين، وهذا باطل بإجماع المسلمين.

/الثالث والثلاثون: أن كلامهم تضمن الاعتراف بأن ما أفتي به المفتي هو قول بعض علماء المسلمين. وحينئذ فما تنازع فيه المسلمون يجب رده إلى الله والرسول، ولا يحكم فيه إلا كتاب الله أو سنة نبيه، وهؤلاء حكموا فيما تنازع فيه المسلمون بغير كتاب الله ولا سنة رسوله. ومثل هذا الحكم باطل بإجماع المسلمين. وهذا لو كان ما أفتي به قول بعضهم، فكيف وهو ذكر القولين اللذين اتفق المسلمون عليهما. والقول الذي أنكروه هو قول الأئمة الكبار، وقولهم لم ينقله أحد من الأئمة الكبار ولا الصغار؟!

الرابع والثلاثون: أنه لو قدر أن المفتي أفتي بالخطأ، فالعقوبة لا تجوز إلا بعد إقامة الحجة، فالواجب أن تبين دلالة الكتاب والسنة على خطئه، ويجاب عما احتج به، فإنه لابد من ذكر الدليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت