فهرس الكتاب
والجواب عن المعارض، وإلا فإذا كان مع هذا حجة ومع هذا حجة لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجح، وهؤلاء لم يفعلوا شيئًا من ذلك، فلو كان المفتي مخطئًا لم يقيموا عليه، فكيف إذا كان هو المصيب وهم المخطئون؟! فحكم مثل هؤلاء الحكام باطل بالإجماع.
الخامس والثلاثون: أن المفتي إذا تبينت له الأدلة الشرعية، فإن تبين له الصواب وإلا كان له أسوة أمثاله من العلماء الذين يقولون قولا مرجوحًا. ومعلوم أن هؤلاء يستحقون العقوبة والحبس والمنع /عن الفتيا مطلقًا بإجماع المسلمين، وهذا الحكم باطل بإجماع المسلمين.
السادس والثلاثون: أن إلزام الناس بما لم يلزمهم به الله ورسوله، ومنعهم أن يتبعوا ما جاء به الكتاب والسنة حرام بإجماع المسلمين، والحكم به باطل بإجماع المسلمين وهؤلاء لم يستدلوا على ما قالوه بكتاب الله ولا سنة رسوله، ولا أجابوا عن حجة من احتج بالكتاب والسنة، ومثل هذا الإلزام والحكم به باطل بالإجماع.
السابع والثلاثون: أن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفًا لإجماعهم. والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين: هل هو حرام، أو جائز غير مستحب. فاستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع، وليس من علماء المسلمين من قال: يستحب السفر لزيارة القبور، ولا يستحب إلى المساجد، بل السفر إلى المساجد قد نقل عن بعضهم أنه قال: مستحب يجب بالنذر، وأما السفر إلى القبور لم يقل أحد منهم: إنه مستحب، ولا أنه يجب بالنذر، وكلهم متفقون على أن الذهاب إلى المساجد أفضل من الذهاب إلى القبور؛ فإن زيارة الأنبياء والصالحين حيث كانت مشروعة فلا تشرع في اليوم والليلة خمس مرات، والمسجد مشروع إتيانه في اليوم والليلة خمس مرات، فإتيانه أولي من إتيانها بالإجماع.
/ الثامن والثلاثون: أن إتيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصد ذلك والسفر لذلك أولي من إتيان قبره لو كانت الحجرة مفتوحة والسفر إليه بإجماع المسلمين. فإن الصحابة كانوا يأتون مسجده في اليوم والليلة خمس مرات، والحجرة إلى جانب المسجد لم يدخلها أحد منهم؛ لأنهم قد علموا أنه نهاهم أن يتخذوا القبور مساجد، وأن يتخذوا قبره عيدًا، أو وثنًا. وأنه قال لهم: (صلوا على حيثما كنتم) . وكذلك قد علموا أن صلاتهم وسلامهم عليه في المسجد أولي من عند قبره. وكل من يسافر للزيارة فسفره إنما يكون إلى المسجد، سواء قصد ذلك أو لم يقصده، والسفر إلى المسجد مستحب بالنص والإجماع.
والمجيب قد ذكر في الجواب الزيارة المجمع عليها، والمتنازع فيها، وهؤلاء أعرضوا عن الأمر بما أمر الله به ورسوله وعلماء أمته، وعن استحباب ما أحبه الله ورسوله وجميع علماء أمته، وفهموا من كلام العلماء ما لم يقصدوه؛ فإن القاضي عياض الذي حكي ألفاظه قد صرح بما صرح به إمامه وجمهور أصحابه، أنه لا يجوز السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وهو لم يذكر استحباب قصد القبر دون المسجد، بل ذكر ما نقله عن العلماء في فضل زيارة الرسول ما بين به مراده، وذكر عن مالك أنه كره أن يقف بعد السلام، وهذا كراهته لزيارة أكثر العامة. وهؤلاء / جعلوا مسمي الزيارة مستحبًا، وأنكروا على من فصل بين الزيارة الشرعية والبدعية. وذكر أن أهل المدينة يكره لهم الوقوف عند القبر، وإن قصدوا مجرد السلام، إلا عند السفر. وذكر ـ أيضًا ـ أنه يستحب قصد المسجد، وأن هذا لم يزل المسلمون يفعلونه، فقال: (فصل في حكم زيارة قبره) : وزيارة قبره سنة بين المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها. قال: وكره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: التبرك برؤية روضته، ومنبره،