فهرس الكتاب
وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطئ قدميه، والعمود الذي كان يستند عليه وينزل جبرائيل بالوحي فيه عليه، وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله.
فقد بين أن الإجماع الذي حكوه يتضمن قصد الصلاة في مسجده وأن القبر من جملة آثاره. وهؤلاء زعموا أنه حكي الإجماع على السفر إلى مجرد القبر، وهو لم يذكر ذلك، ولا ما يدل عليه، بل ذكر خلاف ذلك من وجوه. وهؤلاء أخطؤوا عليه فيما نقله، ولم يعرفوا ما في ذلك من السنة والإجماع، وهذا الحكم باطل بالإجماع.
/الوجه التاسع والثلاثون: أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوي أفتي في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون، لم يجز منعه من الفتيا مطلقًا، بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه. فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك. فابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ كان يقول في [المتعة والصرف] بخلاف السنة الصحيحة، وقد أنكر عليه الصحابة ذلك، ولم يمنعوه من الفتيا مطلقًا، بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفة لقوله، فعلى ـ رضي الله عنه ـ روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم المتعة، وأبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل، ولم يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقًا ومثل هذا كثير. فالمنع العام حكم بغير ما أنزل الله، وهو باطل باتفاق المسلمين. لو كان ما نازعوه فيه مخالفًا للسنة، فكيف إذا كانت معه، بل ومعه إجماع علماء المسلمين فيما أنكروه من مسائل الزيارة، وهذا مما يبين أن هذا الحكم من أبطل حكم في الإسلام ومن أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين.
الوجه الموفي أربعين: أن هذه المسائل يعرفها علماء المسلمين من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا الوقت؛ فإن جميع المسلمين / يحتاجون إليها، فيمتنع أن يعرف بعض الناس فيها الحق دون السلف والأئمة. والمجيب قد صنف فيها مجلدات؛ بين فيها أقوال الصحابة وأفعالهم، وأقوال علماء المسلمين، ما أجمعوا عليه، وما تنازعوا فيه، وبين الأحاديث النبوية صحيحها وضعيفها، وكلام العلماء فيها، وبين خطأ من نازعه ممن صنف في ذلك، وبسط القول في ذلك. وهؤلاء لو كانوا قد قالوا ببعض أقاويل العلماء، فلم يأتوا عليه بحجة، فكيف وقد قالوا ما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع علماء المسلمين في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد بينه الرسول لأمته، وعرف ذلك علماء أمته قرنًا بعد قرن إلى هذا الزمان، ومعلوم أن مثل هذا الحكم باطل بإجماع المسلمين.
الوجه الحادي والأربعون: أنهم لو قالوا ببعض أقوال العلماء فظنوا أنه لا تنازع فيه كانوا عددًا، مثل من يظن: أن السنة للزائر أن يقف عند القبر ويستقبله ويسلم عليه، وقد يظن ذلك إجماعًا، وهو غالط؛ فإن من العلماء من لم يستحب استقبال القبلة، ومنهم من لم يستحب الوقوف عند القبر، كما قد بين النقل عنهم في مواضعه. وأما هؤلاء فحكموا بقول لم يقله أحد من علماء المسلمين، وذلك باطل بالإجماع.
الثاني والأربعون: أن ما قالوه لو قاله مُفْتٍ لوجب الإنكار عليه، /ومنعه وحبسه إن لم ينته عن الإفتاء به؛ لأنه مخالف للسنة والإجماع، فكيف إذا قاله حاكم يلزم الناس به؟! وهو أولي بالمنع والعقوبة على ذلك كأهل البدع؛ من الخوارج، والرافضة، وغيرهم والذين يبتدعون بدعة يلزمون بها الناس، ويعادون من خالفهم فيها، ويستحلون عقوبته. والبدع المتضمنة للشرك واتخاذ القبور أوثانًا، والحج إليها، ودعاء غير الله، وعبادته؛ من بدع الخوارج، والروافض، والله أعلم، والحمد لله وحده، وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم.