الصفحة 457 من 1087

وَقَال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه:

بسم الله الرحمن الرحيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلي الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

أما بعد، يقول أحمد بن تيمية: إنني لما علمت مقصود ولي الأمر السلطان ـ أيده الله وسدده فيما رسم به ـ كتبت إذ ذاك كلامًا مختصرًا، لأن الحاضر استعجل بالجواب. وهذا فيه شرح الحال أيضًا مختصرًا، وإن رسم ولي الأمر ـ أيده الله وسدده ـ أحضرت له كتبًا كثيرة من كتب المسلمين ـ قديمًا وحديثًا ـ مما فيه كلام النبي صلى الله عليه وسلم /والصحابة والتابعين، وكلام أئمة المسلمين الأربعة، وغير الأربعة وأتباع الأربعة، مما يوافق ما كتبته في الفتيا؛ فإن الفتيا مختصرة، لا تحتمل البسط، ولا يقدر أحد أن يذكر خلاف ذلك، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أئمة المسلمين؛ لا الأربعة، ولا غيرهم.

وإنما خالف ذلك من يتكلم بلا علم، وليس معه بما يقوله نقل، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين، ولا يمكنه أن يحضر كتابًا من الكتب المعتمدة عن أئمة المسلمين بما يقوله، ولا يعرف كيف كان الصحابة والتابعون يفعلون في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. وأنا خطي موجود بما أفتيت به، وعندي مثل هذا كثير كتبته بخطي، ويعرض على جميع من ينسب إلى العلم شرقًا وغربًا، فمن قال: إن عنده علمًا يناقض ذلك فليكتب خطه بجواب مبسوط، يعرف فيه من قال هذا القول قبله، وما حجتهم في ذلك، وبعد ذلك فولي الأمر السلطان ـ أيده الله ـ إذا رأي ما كتبته وما كتبه غيري فأنا أعلم أن الحق ظاهر مثل الشمس، يعرفه أقل غلمان السلطان، الذي ما رؤي في هذه الأزمان سلطان مثله، زاده الله علمًا وتسديدًا وتأييدًا. فالحق يعرفه كل أحد، فإن الحق الذي بعث الله به الرسل لا يشتبه بغيره على / العارف كما لا يشتبه الذهب الخالص بالمغشوش على الناقد. والله تعالى أوضح الحجة، وأبان المحجة بمحمد خاتم المرسلين، وأفضل النبيين، وخير خلق الله أجمعين. فالعلماء ورثة الأنبياء، عليهم بيان ما جاء به الرسول ورد ما يخالفه.

فيجب أن يعرف ـ أولا ـ ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الأحاديث المكذوبة كثيرة، وبعض المنتسبين إلى العلم قد صنف في هذه المسألة وما يشبهها مصنفًا ذكر فيه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة ألوانًا يغتر بها الجاهلون. وهو لم يتعمد الكذب، بل هو محب للرسول صلى الله عليه وسلم معظم له، لكن لا خبرة له بالتمييز بين الصدق والكذب، فإذا وجد بعض المصنفين في فضائل البقاع وغيرها قد نسب حديثًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة اعتقده صحيحًا وبني عليه، ويكون ذلك الحديث ضعيفًا، بل كذبًا عند أهل المعرفة بسنته صلى الله عليه وسلم.

ثم إذا ميز العالم بين ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده، ويفقه ما قاله، ويجمع بين الأحاديث، ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله، ويفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله. فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون، ويجب تلقيه وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم / ـ رضي الله عنهم أجمعين.

وولي الأمر سلطان المسلمين ـ أيده الله وسدده ـ هو أحق الناس بنصر دين الإسلام، وما جاء به الرسول ـ عليه السلام ـ وزجر من يخالف ذلك ويتكلم في الدين بلا علم، ويأمر بما نهي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يسعي في إطفاء دينه إما جهلًا وإما هوي. وقد نزه الله رسوله صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت