الصفحة 57 من 1087

الجهاد وإقامة الحد وغير ذلك مما يباشرونه من الأفعال التي أمرهم الله بها، وإذا اتفق هؤلاء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة.

وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة، وهذه القضية قد جرى فيها ما جرى مما ليس هذا موضع ذكره، وكنت تبلغني بخطابك وكتابك عن الشيخ ما تبلغني، وقد رأيت وسمعت موافقتي على كل ما فيه طاعة الله ورسوله، وعدم التفاتي إلى المطالبة بحظوظي، أو مقابلة من يؤذيني، وتيقنت هذا مني فما الذي يطلب من المسلم فوق هذا وأشرت بترك المخافة ولين الجانب وأنا مجيب إلى هذا

كله.

فجاء الفتاح أولا فقال: يسلم عليك النائب، وقال: إلى متى يكون المقام في الحبس؟ أما تخرج؟ هل أنت مقيم على تلك الكلمة أم لا؟ ـ وعلمت أن الفتاح ليس في استقلاله بالرسالة مصلحة لأمور لا تخفى ـ فقلت له: سلم على النائب وقل له أنا ما أدري ما هذه الكلمة؟ وإلى الساعة لم أدر على أي شيء حبست! ولا علمت ذنبي! وأن جواب هذه الرسالة لا يكون مع خدمتك، بل يرسل من ثقاته ـ الذين يفهمون ويصدقون ـ أربعة أمراء ليكون الكلام معهم مضبوطًا عن الزيادة والنقصان فأنا قد علمت ما وقع في هذه القصة من الأكاذيب.

فجاء بعد ذلك الفتاح ومعه شخص ما عرفته، لكن ذكر لي أنه يقال له علاء الدين الطيبرسي ورأيت الذين عرفوه أثنوا عليه بعد ذلك خيرًا وذكروه بالحسنى، لكنه لم يقل ابتداء من الكلام ما يحتمل الجواب بالحسنى؛ فلم يقل الكلمة التي أنكرت كيت وكيت؟ ولا أستفهم هل أنت مجيب إلى كيت وكيت؟ ولو قال ما قال من الكذب علي والكفر والمجادلة على الوجه الذي يقتضي الجواب بالحسنى لفعلت ذلك فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحًا وصبرًا على مر الكلام؛ وأعظم الناس عدلا في المخاطبة لأقل الناس دع لولاة الأمور لكنه جاء مجيء المكره على أن أوافق إلى ما دعا إليه وأخرج درجا فيه من الكذب والظلم والدعاء إلى معصية الله والنهي عن طاعته ما الله به عليم، وجعلت كلما أردت أن أجيبه وأحمله رسالة يبلغها لا يريد أن يسمع شيئًا من ذلك ويبلغه؛ بل لا يريد إلا ما مضمونه الإقرار بما ذكر والتزام عدم العود إليه والله تعالى يقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46] . فمتى ظلم المخاطب لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعروة بن مسعود بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما قال إني لأرى أوباشًا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك ـ: امصص بضر اللات أنحن نفر عنه وندعه.

ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من كانوا وقد قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] . فمن كان مؤمنا فهو الأعلى كائنا من كان، ومن حاد الله ورسوله فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} [المجادلة: 20] .

وأنا أو غيري من أي القسمين كنت؟ فإن الله يعاملني وغيري بما وعده، فإن قوله الحق وعد الله لا يخلف الله وعده.

فقلت له ـ في ضمن الكلام الحق في هذه القصة ـ: ليس لي ولكن لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من شرق الأرض إلى غربها وأنا لا أعني تبديل الدين وتغييره؛ وليس لأجلك أو أجل غيرك أرتد عن دين الإسلام وأقر بالكفر والكذب والبهتان راجعًا عنه أو موافقًا عليه.

ولما رأيته يلح في الأمر بذلك أغلظت عليه في الكلام وقلت: دع هذا الفشار؛ وقم رح في شغلك فأنا ما طلبت منكم أن تخرجوني ـ وكانوا قد أغلقوا الباب القائم الذي يدخل منه إلى الباب المطبق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت