فهرس الكتاب
الحمد للّه، أما المال المأخوذ من الجهات، فلا يخلو عن شبهة، وليس كله حرامًا محضًا، بل فيه ما هو حرام، وفيه ما يؤخذ بحق، وبعضه أخف من بعض.
فما على الساحل وإقطاعه أخف مما على بيع العقار، ونحو ذلك من السلع، ومما على سوق الغزل ونحوه. فإن هذا لا شبهة فيه، فإنه ظلم بين. وكذلك ضمان الأفراج، فإنه قد يؤخذ إما من الفواحش المحرمة، وإما من المناكح المباحة، فهذا ظلم، وذلك إعانة على الفواحش التى /تسمى [مغانى العرب] ونحو ذلك. فإن هذا فيه ضمان الحانة في بعض الوجوه. فهذا أقبح ما يكون، بخلاف ساحل القبلة، فإنه قد يظلم فيه كثير من الناس.
لكن أهل الإقطاعات الكثيرة الذين أقطعوا أكثر مما يستحقونه، إذا أمر السلطان أن يؤخذ منها بعض الزيادة، لم يكن هذا ظلمًا وإقطاعه أصلها زكاة، لكن زيد فيها ظلم.
وإذا كان كذلك فمن كان في إقطاعه شىء من ذلك، فليجعل الحلال الطيب لأكله وشربه، ثم الذى للناس، ثم الذى يليه يجعل لعلف الجمال، ويكون علف الخيل أطيب منها فإنها أشرف، ويعطى الذى يليه للدبادب والبوقات والبازيات ونحوهم. فإن اللّه يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فعلى كل إنسان أن يتقى اللّه ما استطاع، وما لم يمكن إزالته من الشر يخفف بحسب الإمكان، فإن اللّه بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
/ وَسُئِلَ شيخ الإسلام ـ رحمه اللّه ـ عن الأموال التى يجهل مستحقها مطلقًا أو مبهما.
فإن هذه عامة النفع؛ لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها محرمة، لحق الغير؛ إما لكونها قبضت ظلمًا، كالغصب وأنواعه من الجنايات والسرقة والغلول. وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر، ولا يعلم عين المستحق لها. وقد يعلم أن المستحق أحد رجلين ولا يعلم عينه؛ كالميراث الذى يعلم أنه لإحدى الزوجين الباقية دون المطلقة، والعين التى يتداعاها اثنان، فيقربها ذو اليد لأحدهما.
فمذهب الإمام أحمد وأبى حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه الأموال لأولى الناس بها. ومذهب الشافعى أنها تحفظ مطلقا، ولا تنفق بحال، فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعوارى والودائع: إنها تحفظ حتى يظهر أصحابها، كسائر الأموال الضائعة. ويقول في العين التى عرفت لأحد رجلين: يوقف الأمر حتى يصطلحا. ومذهب أحمد وأبى حنيفة فيما جهل مالكه، أنه يصرف عن أصحابه في المصالح؛ /كالصدقة على الفقراء، وفيما استبهم مالكه القرعة عند أحمد، والقسمة عند أبى حنيفة. ويتفرع على هذه القاعدة ألف من المسائل النافعة، الواقعة.
وبهذا يحصل الجواب عما فرضه أبو المعالى في كتابه [الغياثى] ، وتبعه من تبعه: إذا طبق الحرام الأرض، ولم يبق سبيل إلى الحلال، فإنه يباح للناس قدر الحاجة من المطاعم والملابس والمساكن، والحاجة أوسع من الضرورة. وذكر أن ذلك يتصور إذا استولت الظلمة من الملوك على الأموال بغير حق، وبثتها في الناس، وأن زمانه قريب من هذا التقدير، فكيف بما بعده من الأزمان؟!.
وهذا الذى قاله فرض محال، لا يتصور؛ لما ذكرته من هذه [القاعدة الشرعية] . فإن المحرمات قسمان: محرم لعينه، كالنجاسات. من الدم، والميتة. ومحرم لحق الغير، وهو ما جنسه مباح. من المطاعم، والمساكن، والملابس، والمراكب، والنقود، وغير ذلك.
وتحريم هذه جميعها يعود إلى الظلم، فإنها إنما تحرم لسببين:
أحدهما: قبضها بغير طيب نفس صاحبها، ولا إذن الشارع. وهذا هو الظلم المحض؛ كالسرقة، والخيانة، والغصب الظاهر. وهذا أشهر الأنواع بالتحريم.