الصفحة 678 من 1087

/والثانى: قبضها بغير إذن الشارع، وإن أذن صاحبها، وهى العقود والقبوض المحرمة، كالربا والميسر، ونحو ذلك. والواجب على من حصلت بيده ردها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم، وقد دل على ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم في اللقطة: (فإن وجدت صاحبها فارددها إليه، وإلا فهى مال اللّه يؤتيه من يشاء) . فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن اللقطة التى عرف أنها ملك لمعصوم، وقد خرجت عنه بلا رضاه، إذا لم يوجد فقد آتاها اللّه لمن سلطه عليها بالالتقاط الشرعى.

وكذلك اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين، مع أنه لابد في غالب الخلق أن يكون له عصبة بعيد، لكن جهلت عينه، ولم ترج معرفته، فجعل كالمعدوم. وهذا ظاهر، وله دليلان قياسيان قطعيان، كما ذكرنا من السنة والإجماع. فإن ما لا يعلم بحال، أو لا يقدر عليه بحال، هو في حقنا بمنزلة المعدوم، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه.

وكما أنه لا فرق في حقنا بين فعل لم نؤمر به، وبين فعل أمرنا به جملة عند فوت العلم أو القدرة ـ كما في حق المجنون والعاجز ـ كذلك لا فرق في حقنا بين مال لا مالك له، أمرنا بإيصاله إليه، وبين ما أمرنا بإيصاله إلى مالكه جملة؛ إذا فات العلم به أو القدرة /عليه. والأموال كالأعمال سواء.

وهذا النوع إنما حرم لتعلق حق الغير به، فإذا كان الغير معدومًا أو مجهولا بالكلية أو معجوزًا عنه بالكلية، سقط حق تعلقه به مطلقا، كما يسقط تعلق حقه به إذا رجى العلم به، أو القدرة عليه، إلى حين العلم والقدرة، كما في اللقطة سواء، كما نبه عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: (فإن جاء صاحبها وإلا فهى مال اللّه يؤتيه من يشاء) ، فإنه لو عدم المالك انتقل الملك عنه بالاتفاق، فكذلك إذا عدم العلم به إعداما مستقرًا، وإذا عجز عن الإيصال إليه إعجازًا مستقرًا. فالإعدام ظاهر، والإعجاز مثل الأموال التى قبضها الملوك ـ كالمكوس وغيرها ـ من أصحابها، وقد تيقن أنه لا يمكننا إعادتها إلى أصحابها، فإنفاقها في مصالح أصحابها من الجهاد عنهم أولى من إبقائها بأيدى الظلمة يأكلونها، وإذا أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة، كما أنها على من يأكلها بالباطل محرمة.

والدليل الثانى: القياس ـ مع ما ذكرناه من السنة والإجماع ـ أن هذه الأموال لا تخلو إما أن تحبس، وإما أن تتلف، وإما أن تنفق.

فأما إتلافها فإفساد لها، {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205] وهو إضاعة لها،/والنبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إضاعة المال، وإن كان في مذهب أحمد ومالك تجويز العقوبات المالية، تارة بالأخذ. وتارة بالإتلاف، كما يقول أحمد في متاع الغال، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر، ومحل الخمار، وغير ذلك.

فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانًا، كالعقوبة بإتلاف بعض النفوس أحيانًا. وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك، كما في إتلاف النفس والطرف، وكما أن قتل النفس يحرم إلا بنفس أو فساد، كما قال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 32] ، وقالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة: 30] ، فكذلك إتلاف المال، إنما يباح قصاصًا أو لإفساد مالكه، كما أبحنا من إتلاف البناء والغراس الذى لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا، بغير خلاف. وجوزنا لإفساد مالكه ما جوزنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت