الصفحة 679 من 1087

ولهذا لم أعلم أحدًا من الناس قال: إن الأموال المحترمة المجهولة المالك تتلف، وإنما يحكى ذلك عن بعض الغالطين من المتورعة: أنه ألقى شيئًا من ماله في البحر، أو أنه تركه في البر ونحو ذلك. فهؤلاء تجد منهم حسن القصد وصدق الورع، لا صواب العمل.

وأما حبسها دائمًا أبدًا إلى غير غاية منتظرة، بل مع العلم أنه /لا يرجى معرفة صاحبها، ولا القدرة على إيصالها إليه، فهذا مثل إتلافها؛ فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها، وهذا تعطيل أيضا، بل هو أشد منه من وجهين:

أحدهما: أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به.

الثانى: أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لابد أن يستولى عليها أحد من الظلمة بعد هذا، إذا لم ينفقها أهل العدل والحق، فيكون حبسها إعانة للظلمة، وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة، فيكون قد منعها أهل الحق، وأعطاها أهل الباطل، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا؛ فإن من وضع إنسانًا بمسبعة فقد قتله، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولى عليها من الظلمة فقد أعطاهموها. فإذا كان إتلافها حرامًا، وحبسها أشد من إتلافها، تعين إنفاقها، وليس لها مصرف معين، فتصرف في جميع جهات البر والقرب التى يتقرب بها إلى اللّه؛ لأن اللّه خلق الخلق لعبادته، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فتصرف في سبيل اللّه. واللّه أعلم.

/ وَسُئِلَ شيخ الإسلام ـ رحمه اللّه ـ عن رجل له حق في بيت المال، إما لمنفعة في الجهاد أو لولايته، فأحيل ببعض حقه على بعض المظالم.

فأجاب:

لا تستخرج أنت هذا، ولا تعن على استخراجه، فإن ذلك ظلم، لكن اطلب حقك من المال المحصل عندهم، وإن كان مجموعا من هذه الجهة وغيرها؛ لأن ما اجتمع في بيت المال ولم يرد إلى أصحابه، فصرفه في مصالح أصحابه والمسلمين أولى من صرفه فيما لا ينفع أصحابه أو فيما يضره ـ وقد كتبت نظير هذه المسألة في غير هذا الموضع ـ وأيضا، فإنه يصير مختلطا. فلا يبقى محكوما بتحريمه بعينه، مع كون الصرف إلى مثل هذا واجبًا على المسلمين.

فإن الولاة يظلمون تارة في استخراج الأموال، وتارة في صرفها، فلا تحل إعانتهم على الظلم في الاستخراج، ولا أخذ الإنسان ما لا يستحقه.

وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد من الاستخراج والصرف فلمسائل الاجتهاد. وأما ما لا يسوغ فيه اجتهاد من الأخذ والإعطاء فلا يعاونون،/ لكن إذا كان المصروف إليه مستحقا بمقدار المأخوذ، جاز أخذه من كل مال يجوز صرفه، كالمال المجهود مالكه إذا وجب صرفه. فإن امتنعوا من إعادته إلى مستحقه، فهل الأولى إقراره بأيدى الظلمة، أو السعى في صرفه في مصالح أصحابه والمسلمين، إذا كان الساعى في ذلك ممن يكره أصل أخذه، ولم يعن على أخذه، بل سعى في منع أخذه؟ فهذه مسألة حسنة ينبغى التفطن لها وإلا دخل الإنسان في فعل المحرمات، أو في ترك الواجبات. فإن الإعانة على الظلم من فعل المحرمات.

وإذا لم تمكن الواجبات إلا بالصرف المذكور، كان تركه من ترك الواجبات. وإذا لم يمكن إلا إقراره بيد الظالم أو صرفه في المصالح، كان النهى عن صرفه في المصالح إعانة على زيادة الظلم التى هى إقراره بيد الظالم. فكما يجب إزالة الظلم، يجب تقليله عند العجز عن إزالته بالكلية. فهذا أصل عظيم. اللّه أعلم. وأصل آخر وهو أن الشبهات ينبغى صرفها في الأبعد عن المنفعة فالأبعد، كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام بأن يطعمه الرقيق والناضح، فالأقرب ما دخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت