الصفحة 100 من 342

القسم مبالغة وتوكيد [1] ، فقد أكَّد التعبيرُ تكذيبَ مزاعمهم في عدم البعث (( بقوله:(بلى) وباليمين. ثم أكد اليمين باللام والنون )) [2] . فالجملة القسمية {وَرَبِّي} سيقت تأكيدًا للجملة المقسم عليها [3] ، وهي {لَتُبعَثُنَّ} وهو الأمر الذي كانوا قد نفوه بقولهم {لن يُبْعَثُوا} .

فاقسم توكيدًا، وفي التوكيد تمكينٌ للمعنى في نفس المخاطب وإزالة الغلط والوهم عنه [4] . أي إنَّ السياقَ أكَّد البعثَ وكذَّبَ مُنكريهِ [5] .

ومن المعلوم أن التوكيد إنما يتفاوت بحسب قوة الإنكار أو ضعفه - ولما كانوا قد نفوا البعث بـ (لن) وهي آكد من (لا) [6] ، فقد جاء الرد عليهم مناسبًا لعظم الإنكار. حينما أثبت التعبير ما نفوه بـ (بلى) ، وأكده بالقسم بالربِّ على ما أنكروه وباللفظة ذاتها، وبصيغة المضارع في خبرهم: {لن يبعثوا} ، وفي الجواب عليهم بعبارة {لتُبعَثُنَّ} .

ثم أُردِفَ تعبيرُ الإثبات المؤكِّد بتعبير مؤكِّدٍ عُطِفَ على الأول بحرف متراخ في الزمن {ثُمّ لَتُنَبّؤُنّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ} . وفي هذا التعبير المعطوف دلالة على البعث الذي ورد في التعبير الأول، فالتعبير الجوابي لم يكتف بإثبات ما نفوه، وإنما أردفه بتذكير لما بعد البعث، فهم يُخَبَّرُونَ به ويُحاسَبُونَ بأعمالهم، وكل ذلك يسيرٌ هيِّنٌ على الله سبحانه لا تناله مشقة فيه [7] .

ومما جاء جوابًا لسياق خبر منفي، هو ما ورد عن اليهود في (( الشريعة التي افتروها على الله، وخصوا بها أنفسهم أن أشرارهم وعصاتهم لن يعاقبوا كما يعاقب سائر الناس ... فلا تمسهم النار إلا مسًّا، ولأيام معدودة ) ) [8] بزعمهم، وذلك يجليه قوله تعالى عنهم: {وقَالوا لَن تَمَسَنا النَّار إلا أيَّامًا مًعدودة قُلْ أتَّخَذْتُم عِنْدَ اللهِ عَهدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهدَه أم تَقولَونَ عَلى الله مَالا تَعلَمونَ بَلَى مَن كَسَبَ سيِئَةً وَأحَاطَتْ بِهِ خَطيِئَتُهُ فأولَائِكَ أصحَابُ النَّارِ هُمْ فَيها خَالِدونَ} [9] .

(1) العوامل المائة /141.

(2) مجمع البيان 10/ 298.

(3) مغني اللبيب 1/ 173.

(4) شرح المفصل 3/ 40، وينظر الإنشاء غير الطلبي في القرآن الكريم سعاد كريم خشيف بندر - كلية التربية للبنات - بغداد 1418هـ - 1997م / ص 180.

(5) البرهان في علوم القرآن 3/ 88.

(6) الطراز 2/ 208، ودراسات في الأدوات النحوية / 59.

(7) إعراب القرآن للنحاس 4/ 443، ومجمع البيان 10/ 299، وتفسير القرآن العظيم 4/ 374.

(8) التفسير القرآني للقرآن 1/ 102.

(9) سورة البقرة /80 - 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت