وقد اختار التعبير لفظة {يَعْزُبُ} وهي لما بعُد وغابَ [1] .
ثم جاء التعبير بلفظتين متقابلتين، هما: (أصغر) و (أكبر) ، وقد عبر السياق القرآني هنا بلفظة (الأكبر) ، التي دلت على (( بيان إثبات الأمور في الكتاب. فلو اقتصر على الأصغر لتوهَّم متوهِّمٌ أنهُ يثبت الصغائر، لكونها محل النسيان، أما الأكبر فلا ينسى، فلا حاجة إلى إثباته ... فإن الأكبر أيضًا مكتوب فيه ) ) [2] .
ثم بين التعبير الجوابي أنَّ إتيان الساعة وإعادة الأبدان، وهذا الجمع للصغائر والكبائر، لم يكن عبثًا، وإنما هو لحكمة إلهية [3] ، بينها السياق معللًا بقوله تعالى {لِيَجْزِيَ الَّذينَ ءَامَنُوا وَعَمِلوا الصَّالحاَتِ أولَائِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزقٌ كَريمٌ وَالَّذِينَ سَعَو فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَائِكَ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [4] .
فاللام في قوله {لِيجزي} لام التعليل [5] . فهذا التعبير المعقب للتعبير الجوابي، حجة قاطعة، ردَّ الله تعالى بها ما زعموهُ، فوضعها في العقول البشرية، وركبها في غرائز الآدميين. فالجزاء للمحسن الثواب، وللمسيء العقاب [6] .
وعلى هذا فقد عُضِّد الجواب بما يقنع، ويدل على أن وقوع ذلك صادق وحادث في وقته الذي قدره الله له، فجاء السياق أولا مُشعرًا بعلم الله غير المحدود، معللا ذلك بالمجازاة.
ومن هذا الوادي أيضًا، قولُه تعالى ردًّا على مزاعم الجاحدين المنكرين للبعث: {زَعَمَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىَ وَرَبّي لَتُبْعَثُنّ ثُمّ لَتُنَبّؤُنّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ} [7] .
والزعم: هو القول غير المستند إلى وثوق، وأكثر ما يقع على الباطل [8] . وقد جاء الجواب هنا، مصدَّرًا بصيغة الأمر: (قل) ، أي: جاء تلقينًا منه سبحانه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم قال (بلى) ، تكذيبًا لما زعموهُ ونفيًا له وإثباتًا لما بعد (لن) وهو البعث [9] ، فأكَّدهُ بالقسم وكذَّب مُنكريهِ. ووقع القسم بلفظ (الرب) المضاف إلى ياء المتكلم، فقال {بَلَى وَرَبِّي} وفي
(1) الجامع لأحكام القرآن 14/ 260.
(2) التفسير الكبير 25/ 241.
(3) تفسير القرآن العظيم 3/ 525.
(4) سورة سبأ /4 - 5.
(5) الكشاف 3/ 279، ومجمع البيان 3/ 376، والجامع لأحكام القرآن 14/ 261.
(6) الكشاف 3/ 279.
(7) سورة التغابن / 7.
(8) همع الهوامع 1/ 148، ولسان العرب 2/ 26 (زعم) ، ومعاني النحو 2/ 443.
(9) الكشاف 4/ 114.