فقد ورد جوابُ الخبر المحكي عن هؤلاء الجاحدين للبعث النافين له، مُصدَّرًا بتلقين النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة الأمر: (قُلْ) ، أي قُلْ يا محمد رادًّا [1] على افترائهم وإنكارهم البعث، مُكذِّبًا [2] لهم، فقال (بلى) موجبًا بذلك النفيَ لِمَا نفوهُ. فليس (( الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه، بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل ) ) [3] ؛ إذ قال: {بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ} ، مُقسمًا بربِّ العزة مضافًا إلى الرسول الكريم، ليدل بذلك على عظمة المقسم به، وعلى (( شدة القسم؛ إذ لم يأتِ به في الاسم المشترك بينه وبين من أنكر الساعة وهو لفظ(الله ) )) [4] .
ثم إنه أكَّد ما أقسم عليه باللام والنون التوكيدية الثقيلة بقوله: {لَتَأتِيَنَّكُمْ} وبتوجيه الخطاب لهم بالضمير (الكاف) الدال على الحضور، وبذلك ناسب بين ما أقسم به وما أقسم عليه، وطابق بين قوة الإنكار والنفي للبعث، وبين توكيد التعبير الجوابي بأكثر من مؤكِّد وهي القسم بلفظ (الرب) الذي دل على الخصوص هنا، وباللام والنون في جواب القسم {لَتَأتِيَنَّكُمْ} . ومعلوم أنَّ في القسم وجوابه مبالغةً وتوكيدًا [5] .
ويلحظ في هذا التعبير الجوابي أنه (( أمدَّ التوكيدَ القسميَّ إمدادًا؛ بما أتبع المقسم به من الوصف ) ) [6] بقوله: {عَالِمِ الغَيْبِ} . وهو الله سبحانه، أي إن سياق الجواب عُضِّدَ بما يقنع ويدل على أن وقوع ذلك صادق وحادث. فجاء بصيغة دالة على الثبوت والاستقرار. فهو عالم ثابت العلم بما وراء الظاهر المنكشف. فالكل (( مندرج تحت علمه، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرَّقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة ) ) [7] .
ثم قرر علمه للغيب وأكده بقوله: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} . فجاء التعبير بـ (لا) لتأكيد نفي [8] عدم الخفاء عليه سبحانه، ولو كان {مثقالَ ذَرةٍ} ، أي: ولو كان متناهيًا في (( الضآلة والصغر وخفَّةِ الوزنِ ) ) [9] .
(1) تفسير شبر /405.
(2) مجمع البيان 3/ 377.
(3) الكشاف 3/ 279.
(4) البحر المحيط 7/ 257.
(5) العوامل المائة الجرجاني / 141.
(6) الكشاف 3/ 279.
(7) تفسير القرآن العظيم 3/ 525.
(8) الكشاف 3/ 280.
(9) التفسير البياني 1/ 91.