ويُلحظ أن قولتهم هذه، رُدَّتْ ونُقِضت بتعابير صدَّرَها تلقين الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم، فقال سبحانه وتعالى موبخًا إياهم [1] : {قُلْ اتَّخَذْتُم عِنْدَ اللهِ عَهْدًا} ، فهو أسلوب استفهامي أريد به التوبيخ، وأصله (( ءأتخذتم، دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل فسقطت همزة الوصل ) ) [2] ؛ ثم قال {فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ} ، وهو جزاء الشرط المقدر [3] ، أي: إنْعهد الله إليكم واتخذتم منه العهد، أنه لا يعذبكم إلا مقدار عبادتكم العجل {فَلَن يُخلفَ الله عَهدَه} . والإخلاف يعني: النقض [4] ، وهو محال على الله تعالى، إذ هو مُنجز لما وَعَدَ سبحانه.
وهذا التعبير ورد بأسلوب فيه تكذيب لهم وبيان لما هم فيه من الوهم فيما ادَّعوه وزعموه.
ثم قال سبحانه {أمْ تَقُولونَ عَلى اللهِ مَالا تَعْلَمونَ} و (أَمْ) هنا تحتمل أن تكون متصلة أو منقطعة، فبالاتصال تكون معادلة لهمزة الاستفهام، أي: أيُّ الحالتين واقعة لكم؟ اتخاذكم العهد من الله وهو افتراء منكم؟ وقد دلَّ عليه قوله تعالى: {ذَالكَ بأنَهُم قَالوا لَن تمَسَّنَا النَّارُ إلا أيَّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهُمْ في دينِهِم ما كانُوا يفتَرونَ} [5] . أم تقولون عليه ما لا تعلمون منه، وما أنتم جاهلين له. لأن الاتصال بينكم وبينه سبحانه مقطوع. وهو تقرير بوقوع أحدهما حيث أخرج مخرج المتردد في تعيينه. فإذا قُرِّر أحدهما فذلك دليل على كذبهم.
هذا إذا كانت (أم) متصلة، فإن كانت على أنها منقطعة، بمعنى (بل) ، فالمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون [6] . فضلًا عما فيه أيضًا من الكذب والافتراء عليه سبحانه.
وبعد هذا التعبير التوبيخي الذي جاء بأسلوب الفرض، يأتي الجواب منه سبحانه {بلى من كَسَبَ سيِّئةً وأحَاطَتْ بِهِ} ، أي: بلى تمَسَّكُمُ النارُ وتصيبكم أبدًا لا كما تزعمون [7] .
وقد أكد أبدية النار لهم بقوله {هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ} ، وخصهم بذلك بضمير الفصل (هم) الدال عليهم.
والكسب في الأصل: اجتلاب النفع، وقد جاء هنا في اجتلاب الضر [8] .
(1) مواهب الرحمن 1/ 209.
(2) مجمع البيان 1/ 147.
(3) الكشاف 1/ 292، وتفسير القرآن العظيم 1/ 118، ومدارك التنزيل 1/ 66، ومواهب الرحمن 1/ 209.
(4) مجمع البيان 1/ 147.
(5) سورة آل عمران /24.
(6) مجمع البيان 1/ 147، وتفسير القرآن العظيم 1/ 118، ومواهب الرحمن 1/ 209.
(7) الكشاف 1/ 292، ومجمع البيان 1/ 148، ومدارك التنزيل 1/ 66، ومواهب الرحمن 1/ 210.
(8) البحر المحيط 1/ 270.