وهو من باب العدول في الاستعمال اللفظي من دلالة إلى أُخرى، وقد ورد هنا بالنقيض، ليدل على أنهم يسعون في كسب هذا الضر بالافتراء والكذب كما يُسعى إلى النفع. فمفردات القرآن الكريم ينبغي أن لا تُتَناول (( تناولا لفظيًّا معجميًّا، مجردًا من إيحائه المثير وسره البياني ) ) [1] . فالتعبيرُ الجوابي هذا (( يومىءُ إلى حالةٍ نفسيَّةٍ معروفةٍ ... إنَّ الّذي يجترحُ الخطيئة، إنَّما يجترِحُها - عادةً - وهو يلتذُّ ويستسيغُها، ويحسبُها كسبًا لهُ ) ) [2] ثم إن التعبير هنا ورد على خاصيَّة من خواص التعبير القرآني، إذ ورد بتجسيم السيئه المكتسبة، فهي قد استولت على المسيء وأحاطت به كما يحيط العدو بعدوه [3] . وإنها (( اشتملت عليه وأحدقت به حتى لا يجد عنها مخلصًا ولا مخرجًا ) ) [4] فهي متلبسة به، لا تفارقه من جهة من الجهات. حيث كان (( حبيس هذه الخطيئة المحيطة، في معزل عن كل شيء، وعن كل شعور، وعن كل وجهة، إلاّ وجهة الخطيئة ) ) [5] ، وهي استعارة [6] ، نوعها مكنية، إذ شبّه الخطيئة بالعدو.
والتعبير قد ناظر بين (السيئة) و (الخطيئة) ، ليكون - كما ذكر الطبرسي [7] - أبلغ وأفصح. فضلا عن دلالته على العموم والشمول، إذ ورد التعبير على وجه (( أعم شامل لهم ولسائر الكفرة، كأنه قال: بل تمسكم وغيركم دهرًا طويلا وزمانًا مديدًا، لا كما تزعمون ... فـ(بلى) داخلة على ما ذكر بعدها، وإيجاز الاختصار أبلغ من إيجاز الحذف )) [8] .
وقد دلت (مَن) الموصولة على هذا العموم والشمول أيضًا فهو (( حكم الله يقضي به بين عباده، يهودًا كانوا أو غير يهود ) ) [9] ، إنه عام لا خصوصية فيه، ولا استثناء لملة دون أخرى.
ونحو هذا من جوابات الخبر المنفي، غير أنهُ غيرُ مصَدَّرٍ بتلقينٍ، وإنَّما وردَ بأداة الجواب (بلى) ، قولهُ تعالى رادًّا مزاعمَ كفَّارِ اليهود في جحود الحق واستحلال الخيانة ونقض العهد: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا
(1) التفسير البياني 1/ 190.
(2) في ظلال القرآن 1/ 86.
(3) الكشاف 1/ 292، في ظلال القرآن 1/ 86.
(4) مجمع البيان 1/ 148.
(5) في ظلال القرآن 1/ 103.
(6) تلخيص البيان في مجازات القرآن /116. والاستعارة: هي أن تُستعارَ الكلمةُ من شيءٍ معروفٍ بها إلى شيءٍ لم يُعرفْ بها وحكمةُ ذلكَ إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بخفيٍّ أو حصول المبالغة أو المجموع. الإتقان 2/ 44.
(7) مجمع البيان 1/ 148.
(8) روح المعاني 1/ 305.
(9) التفسير القرآني للقرآن 1/ 102.