مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [1] .
فالتعبير الجوابي سُبق بتعبير دال على تكذيب ادِّعائهم، من أنهم ليس عليهم في دينهم حرج فيما نقضوا من عهود، أو ضيعوا من حقوق، سواء كان بينهم أو بين غيرهم [2] ، فقال: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، بلفظ المضارع المشعر في معرض الذم أو المدح بالدوام [3] . فهم مستمرون على فعل الفواحش دائبون على تعليلها واختلاقِ الأسباب والأعذار الكاذبة لها، فيقولون (( بادعائهم إنَّ ذلك في كتابهم ) ) [4] ، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} كذبهم فيما يقولون [5] .
ثم جاء بعده جواب الخبر المنفي {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} مصدِّرًا بـ (بلى) وهو إيجاب وإثبات لما نفوه، أي: بلى عليهم في الأميين سبيل [6] .
وذهب عبد الكريم الخطيب [7] إلى تأويل بعيد، وهو أن (بَلَى) (( لفظ يجاب به على سؤال في معرض النفي، فيجعل المنفي واقعًا مثبتًا. وقبل لفظة(بَلَى) ورد سؤال منفي، وهذه اللفظة وما بعدها جواب لهذا السؤال. والسؤال محذوف وتقديره: ألم يكن هؤلاء الذين ائتمنوا على قنطار أدوه، ألم يكونوا من جماعة اليهود، تلك الجماعة الضالة التي حكم الله عليها باللعنة والطرد؟.
فكان الجواب: بلى، إنهم منهم، ولكن لكل حسابه وجزاؤه .. فمن أوفى بعهده منهم، واتقى الله في الأمانة التي أؤتمن عليها، فلن يأخذه الله بجناية قومه، بل هو ممن أحبهم الله ورضي عنهم )) ويُمكنُ القولُ: إنَّ هذا تأويل بعيد من لدن الشيخ الخطيب، لا حاجة بالتعبير إليه؛ لأن (بَلَى) حرف جواب لا يقع جوابًا لسؤال فحسب، بل يقع جوابًا لسياقات الأخبار أيضًا. فليس لازمًا وقوع الجواب لسياق سؤال؛ إذ كثيرًا ما تَرِدُ الجواباتُ لسياقاتٍ خبرية. ثم إن خروج الخبر إلى الاستفهام غير شائع في السماع. وعلى هذا فلا ضرورة لمثل هذا التأويل الذي يبعُد عن ظاهر التعبير.
(1) سورة آل عمران /75 - 76.
(2) التفسير القرآني للقرآن 3/ 501، وعمدة التفسير 2/ 265.
(3) البحر المحيط 1/ 58.
(4) الكشاف 1/ 438.
(5) مجمع البيان 2/ 463.
(6) روح المعاني 3/ 203، ومواهب الرحمن 3/ 206.
(7) التفسير القرآني للقرآن 3/ 502.