الصفحة 104 من 342

ويلحظ أن هذا التعبير الجوابي قد صُدِّر بتكذيبِ مزاعمهم وذمهم ثم جوابهم، بحرف دالٍ على نقض ما قبله من خبر ورد في السياق، وإثبات ما بعده الدال عليه ما قبله، ثم تقرير ذلك الحكم الذي جاء به الجواب.

فقد قال تعالى: {مَنْ أَوفَى بِعَهْدِهِ} ، فهو استئناف مقرر للجملة التي سدت (بَلَى) مسدَّها [1] . وهي جملة أفادت العموم في ذم من لم يفِ بالحقوق مطلقًا وتعظيم أمر الوفاءِ بالعهْدِ [2] ، هذا عند من ذهب إلى الوقف التام على (بلى) ثم الاستئناف.

أمَّا مَنْ ذهب إلى أن (بَلَى) (( كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده ) ) [3] ، فإنه لا يحسن عنده الوقف عليها، بل تكون بمعنى (لكن) ، أي: لكن من أوفى واتقى منكم [4] ، وهو بعيدٌ فيما يبدو.

وأما (مَنْ) هنا فتحتمل الموصولية وتحتمل الشرطية [5] ، وأما الضمير في (بعهده) ، فيحتمل أن يكون عائدًا على لفظ الجلالة في قوله {وَيَقُوْلُوْنَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ} ، أو يكون الضمير عائدًا على (مَنْ) في قوله تعالى {مَنْ أَوفَى بِعَهْدِهِ} ؛ لأن العهد مصدر يضاف إلى العاهد أو إلى المعهود [6] . وقد احتمل الآلوسي [7] أن (( الضمير في - عهده - عائد على(مَنْ) ، وقيل: يعود على (الله) . فهو على الأول مصدر مضاف لفاعله، وعلى الثاني مصدر مضاف لمفعوله، أو لفاعله )).

ويلحظ في هذا التعبير أن الفعل (اتَّقَى) ورد محذوف المفعول، ويعني: اتقى الخيانة أو نقض العهد أو محارمَ الله [8] . وفي الحذف مُلحظ بلاغي مشعر بما في الاتقاء بعامة، من ذهاب الفكر فيه مذاهب من الشمول والاتساع، بحيث لا يقع على شيء دون شيء مما ينبغي أن يُتقى. فضلًا عن أن (( ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيدُ للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا، إذا لم تُبن ) )، على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني [9] في تأمله فيه.

(1) الكشاف 1/ 438، والتفسير الكبير 8/ 110، وروح المعاني 3/ 203.

(2) الكشاف 1/ 438، وروح المعاني 3/ 203.

(3) التفسير الكبير 8/ 109.

(4) تفسير القرآن العظيم 1/ 374. وعمدة التفسير 2/ 266.

(5) روح المعاني 3/ 203.

(6) الكشاف 1/ 438، ومجمع البيان 2/ 463، والتفسير الكبير 8/ 109.

(7) روح المعاني 3/ 203.

(8) مجمع البيان 2/ 463، وتفسير القرآن العظيم 1/ 374.

(9) دلائل الإعجاز /162، وينظر المعاني الثانية في الأسلوب القرآني / 110، والبيان العربي /242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت