الصفحة 105 من 342

وأما لفظ (المتقين) في قوله {إنَّ اللهَ يُحِبُ المُتَّقِيْنَ} ، فإما أن يكون من (أَوْفَى) ، أي: يحب من أوفى بعهده، فيكون تسجيلا على الموفين بالعهد بالتقوى وإشارة إلى علة الحكم. أو يكون دالا على العموم والشمول، فيكون عموم المتقين [1] ، ويكون العدول إلى (( ذكر المتقين، ليبين الصفة التي تجب بها محبة الله ) ) [2] .

ومما تقدم بيانه في التعبير الجوابي {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بلىَ مَن أوفَى بِعَهدِه واتْقَى فإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِيْنَ} من أقوال وآراء، يمكن القول: إنَّ الأَوْلى في (بَلَى) أن يُوقفَ عليها، ويكون ما بعدها مقررًا للجواب، سواء عُدَّت (مَن) شرطية أو موصولة، إذ هي دالة على العموم، فقد أشعر التعبير بالعموم في استعمال (مَنْ) أوَّلا، وبذكر (المتقين) ثانيًا. فالمتقون من أوفوا بعهودِهم، ولم ينقضوها، ومن اجتنبوا الخيانة وابتعدوا عن كل ما حرم الله سبحانه.

ونحو هذا القبيل من الجوابات تلك التي جاءت ردًّا على مزاعم اليهود؛ لقولهم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [3] . فقد ورد جوابَ قولتهم هذه بتعبيرٍ مكذِّب لهم، إذ صُدِّر بعبارة {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي (( تلك المقالة أماني كاذبة يتمنونها على الله ) ) [4] من غير (( تحقيق ولا دليل من كتاب الله، ولا إخبار من رسول، وإنما ذلك على سبيل التمني، وإن كانوا جازمين بمقالتهم، لكنها لما لم تكن عن برهان كانت أماني. والتمني يقع بالجائز والممتنع. فهذا من الممتنع، ولذلك أتى بلفظ الأماني ولم يأت بلفظ مرجُوَّاتِهم؛ لأنَّ الرجاء يتعلق بالجائز ) ) [5] .

ثم إن التعبير ورد مشيرًا إلى الأماني باسم الإشارة البعيد (تلك) الذي يشار به إلى غير العاقل الكثير [6] . فاسم الإشارة قد يرمز إلى (( تصوير المعاني حتى تكون كأنَّها مرئِيَّةٌ فيشيرُ إليها، وذلك في مواقف التأكيد والتقرير ) ) [7] .

(1) الكشاف 1/ 438، وروح المعاني 3/ 203.

(2) مجمع البيان 2/ 463.

(3) سورة البقرة /111 - 112.

(4) مجمع البيان 1/ 186.

(5) البحر المحيط 1/ 351.

(6) معاني القرآن للفراء 1/ 435، وينظر معاني النحو 1/ 72.

(7) بلاغة الكلمة والجملة والجمل /63 - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت