الصفحة 106 من 342

وفضلا عمَّا دلَّ عليهِ هذا التعبير المعترض [1] من التكذيب لهم والتأكيد لكذبهم وتقريره بالإشارة، فإنه دلَّ أيضًا على (( التهكُّمِ اللاذِعِ بهم، وأن تلك الأماني التي تجول في صدورهم، لن تجد لها سبيلًا إلى التحقيق في غير أحلامهم ) ) [2] .

و (الأماني) ، مفردها أُمْنِية، وقد ذكر الزمخشري [3] في جمع الأماني ووحدة الأمنية في قولهم: إنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: أمثال تلك الأُمنية أمانيُّهم.

والأرجح من هذا، ما قاله أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ) من أنه: (( إنما أفرد المبتدأ لفظًا؛ لأنه كناية عن المقالة، والمقالة مصدر يصلح للقليل والكثير. فأريد بها هنا الكثير باعتبار القائلين، ولذلك جمع الخبر، فطابق من حيث المعنى في الجمعية ) ) [4] .

ثم يأتي التعبير ملقنًا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالتحدي بطلب تعجيزي [5] : {قُلْ هَاتُوا بُرهَانَكُم} ، و (هَاتُوا) بمعنى: أحضروا، أي: أحضروا الدليل على صحة دعواكم. وقد اختلفوا في كونه فعلا أو اسم فعل أو صوتًا بمنزلة (ها) [6] . والظاهر من استعماله أنه اسم فعل أمر.

و (البرهان) : هو الدليل على صحة دعواهم [7] ، وقيل هو (( مأخوذٌ من البَرْهِ وهو القطع فتكون النون زائدة، وقيل من البَرْهَنة وهو البيان فتكون النون أصلية، لفقدان فَعْلَنَ ووجود فَعْلَلَ ) ) [8] . وعلى كلا الأصلين يتضح معنى الدليل. فالقطع بالشيء دليل صحته وثبوته، والبيان دليل الوضوح لِمَا أُبهِم.

وقد جاء هذا الطلب التعجيزي، مكذِّبًا لمزاعمهم بدليل قوله {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فكأنه يقول لهم: إن (( لم يمكنكم الإتيان ببرهان يصحح مقالتكم، فاعلموا أنه باطل فاسد ) ) [9] ما قلتموه وزعمتموه.

ثم يأتي الرد لقولهم بحرف الجواب (بَلَى) ، المخالف في الحكم للتعبير المنفي السابق له، والمثبت لما تضمنه من نفي، وهو دخول غيرهم الجنة، والمعنى: بلى يدخلها غيركم [10] .

(1) الكشاف 1/ 305.

(2) من بلاغة القرآن /107.

(3) الكشاف 1/ 305.

(4) البحر المحيط 1/ 351.

(5) مجمع البيان 1/ 186، وفي ظلال القرآن 1/ 103.

(6) الكشاف 1/ 305، ومدارك التنزيل 1/ 80، وروح المعاني 1/ 359.

(7) البحر المحيط 1/ 351، وروح المعاني 1/ 359.

(8) روح المعاني 1/ 359 - 360.

(9) مجمع البيان 1/ 186.

(10) الكشاف 1/ 305، ومدارك التنزيل 1/ 80، وروح المعاني 1/ 360، والتفسير القرآني للقرآن 1/ 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت