ثم يقرر التعبير الجوابي (( قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد ) ) [1] وهي: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} . والمراد بالإسلام هنا في قوله (أسلم) : الاستسلام المعنوي والتسليم العملي، ومع هذا فلا بد من الدليل [2] .
فقال تعالى بعده مباشرة بهذه العبارة المصورة للحال: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، أي: (( والحال إنه محسن في جميع أعماله ) ) [3] . وهي جملة (( مؤكِّدة من حيث المعنى؛ لأن من أسلم وجهه للهِ فهو مُحسنٌ ) ) [4] .
وأما (مَنْ) في قوله {مَنْ أسلَمَ} ، فتصلح أن تكون موصولة أو شرطية أو تكون مبتدأ، ويكون (أسلم) ، إما صلة أو فعلًا للشرط، أو (مَنْ) مع (أَسْلَمَ) مبتدأ، والفاء مع الجملة بعده خبره [5] . أو تكون (مَنْ أَسْلَم) (( فاعلا لفعل محذوف أي: بلى يدخلها من أسلم ) ) [6] .
وأما قوله تعالى: {وَجْهَهُ} . فاختلف فيها، فمنهم من قال إنها تعني نفسه [7] ، أو دينه [8] . وقيل: تعني وجهه على الأصل، وهو الراجح فيما يبدو؛ إذ حملها على ظاهر المعنى أقوى ما دام سائغًا مقبولا.
والمعنى: (( وجَّهَ وجههُ لطاعة الله. وقيل: فوّض أمره إلى الله، وقيل استسلم لأمر الله وخضع وتواضع لله؛ لأن أصل الإسلام الخضوع والانقياد. وإنما خصَّ الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه ) ) [9] ، وهو مجاز مرسل [10] علاقته الجزئية؛ إذ
(1) في ظلال القرآن 1/ 103.
(2) نفسه 1/ 104.
(3) روح المعاني 1/ 360.
(4) البحر المحيط 1/ 352.
(5) مجمع البيان 1/ 187.
(6) الكشاف 1/ 305.
(7) الكشاف 1/ 305.
(9) تفسير القرآن العظيم 1/ 154.
(9) مجمع البيان 1/ 187.
(10) المجاز المرسل: هو الكلمةُ المستعملةُ قصدًا في غير معناها الأصلي لملاحظةِ علاقةِ غير المشابهة مع قرينةٍ دالَّةٍ على عدمِ إرادةِ المعنى الوضعي. جواهر البلاغة / 292.