الصفحة 108 من 342

ذكر الجزء وأراد به الكل، وقد سماه الشريف الرضي استعارة [1] ، فهو جزء رُمز به إلى الكل [2] . واختير الوجه من بين سائر ما في الجسمِ، لأنَّهُ (( أشرفُ الأعضاء ... أو لأنَّهُ عبَّر عن الذات، ومنه {كُلُّ شَيْءٍ هَالكٌ إلاَّ وجْهَهُ} ) ) [3] ، فهذا ما احتمله أبو حيان. وهو عند البلاغيين، كما تقدم بيانه: ضرب من المجاز المرسل.

ثم قال تعالى: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} ، و (عند ربه) حال من (أجره) والعامل فيه هو العامل في (له) وهو مستقر، أي: فأجره مستقر له عند ربه [4] .

ويلحظ أنه سبحانه أضاف الضمير (عند) إلى الربّ، أي إنَّهُ (( أحال أجره على الله ... ؛ ليكون ذلك أطمع له، فلذلك أتى بصفة(الربّ) ، ولم يأت بالضمير العائد على الله في الجملة قبله، ولا بالظاهر بلفظ الله. فلم يأت: فله أجره عنده )) [5] .

وقد ورد التعبير بلفظ (الرب) مضافًا إلى الضمير العائد على (مَنْ) في قوله: (مَنْ أَسْلَمَ) ؛ (( إظهارًا لمزيد اللطف، وتقريرًا لمضمون الجملة ) ) [6] .

ويلحظ في التعبير عدول في الضمائر؛ فقد وحّد ضمير الغائب (الهاء) في {فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} ، وعطف عليه قوله {ولا خَوفٌ عَلَيْهِم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ} بضمائر الجمع في {عَلَيْهِم} و {هُمْ} ، وقد علل الطبرسي ذلك بـ (( أنَّ(مَنْ) مفرد اللفظ مجموع المعنى، فيحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى أخرى )) [7] . وهو تعليلٌ مقبولٌ.

ويُمكِنُ عدُّهُ أيضًا من باب (الالتفات) للتنبيه على الشيء ولفت الاهتمام له. فجاء أولًا على الأصل في التركيب النحوي، فقال (فَلَهُ) ، ثم أراد أن يعظم ذلك بالتنبيه عليه، فالتفت إلى ضمير الجماعة، وعدل عن ضمير المفرد فقال: {وَلا خَوْفٌ عَلَيهِم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وفيه انتقال واضح مِنَ الإفراد إلى العموم، ليشعر بشمول ذلك لكل من أتى ذلك الفعل المرضي لرب العالمين.

(1) تلخيص البيان في مجازات القرآن /118.

(2) في ظلال القرآن 1/ 104.

(3) البحر المحيط 1/ 352، والآية 88 من سورة القصص.

(4) البحر المحيط 1/ 352، وروح المعاني 1/ 360.

(5) البحر المحيط 1/ 352.

(6) روح المعاني 1/ 360.

(7) مجمع البيان 1/ 187، وينظر البحر المحيط 1/ 352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت