ومن التعابير الجوابية التي وردت ردًّا على خبر منفي ما ورد مُصَدَّرًا بـ (بَلَى) مردفًا بتعليلٍ، قولُهُ تعالى حكايةً عن الكفار {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [1] .
فهؤلاء قد استسلموا وأظهروا الطاعة وانقادوا إلى ربهم عند اقتراب الموت منهم. وقد نفوا عن أنفسهم الشرك وعمل السوء، وجحدوا ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا، وذلك في يوم القيامة [2] بقولهم: {مَا كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} .
وقد جاء الرد سريعًا من غير تلقين للجواب، مكذبًا قولتهم بـ {بَلَى} ، أي (بَلَى عملتم السوء) ، إذ هي (( تختص بالنفي، وتُفيدُ إبطالَهُ ) ) [3] .
فرد عليهم سبحانه بـ {بَلَى} ، والمعنى: (( إنكم كذبتم في اعتقادكم أنه ليس بسوء بل كنتم تعتقدون أنه سوء؛ لأنكم تبينتم الحق وعرفتموه وكفرتم ) ) [4] .
ثم أردف هذا الجواب بقوله تعالى {إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
وسواء كان هذا القول من الله عَزَّ وجلَّ أو من الملائكة أو من أُولي العلم [5] ، فقد جاء التعبير فيه فاضحًا لهم، مبينًا كذب قولتهم {مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ} مؤكدًا تكذيبهم بـ (إنَّ) التوكيدية، وبلفظ الجلالة (الله) الدال على العظمة، وبصيغة الصفة المشبهة: (فعيل) الدالة على الثبوت فلم يقل (عالم) مثلا، وذلك لثبات علمه بعملهم سبحانه، سواء أسّروه أو أعلنوه، أنكروه أو أقروا به واعترفوا.
ثم إن هذا التعبير الجوابي، جاء مقابلا لقولتهم: {مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} وجاءهم الجواب مضادًّا له وهو: {بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . ويمكن توضيح تقابل التضاد بين التعبيرين من خلال المخطط الآتي:
تعبير الخبر المنفي ... التعبير الجوابي
(1) سورة النحل/28.
(2) الكشاف 2/ 407، ومجمع البيان 6/ 357، والتفسير الكبير 20/ 21، وتفسير القرآن العظيم 2/ 567. والبحر المحيط 5/ 486.
(3) الإتقان 1/ 160.
(4) مغني اللبيب 1/ 113.
(5) الكشاف 2/ 407، ومجمع البيان 6/ 357، والبحر المحيط 5/ 486.