و (الحور) يعني: الرجوع. أي: إنَّهُ كذَّبَ بالبعث [1] ، لحسبانه واعتقاده أنه (( لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبًا بالمعاد ) ) [2] .
ثم جاء التعبير رادًّا كلّ ظنٍّ كظنِّهم، واعتقاد كمعتقدهم، فقال سبحانه في جوابهم: (بَلَى) ، أي: بلى لَيَحُورَنَّ وَليُبعَثُنَّ [3] ، وليس كما ظنُّوا من عدم الرجوع والبعث؛ لأن (بَلَى) إيجاب لما بعد النفي وإثبات له ثم جاء التعبير بعد هذا الإيجاب، محققًا إياه ومعللًا له [4] بقوله: {إِنّ رَبّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} ، أي بصيرًا بهِ (( من يوم خلقه إلى أن يبعثه ) ) [5] . وسيجازيه على أعماله عند البعث، فلا بد أن يرجعه هذه الرجعة التي ظن - جهلًا منه - عدمها [6] .
فهذهِ الأجوبةُ وردت مصدَّرةً بحرفِ الجواب (بَلَى) مُردفةً بتعبيرٍ تعليليٍّ مُحقّق أو مؤَكّد لِما أبطَلَهُ الحرفُ الجَوابي.
ونحو هذا من الجوابات ما وقع جوابًا لنفي مؤكد بأغلظ الأيمان، وذلك قوله تعالى مخبرًا عن الذين أشركوا: {وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَاكِنّ أَكْثَرَ الْنّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} [7] .
فهؤلاء قد أقسموا بذات الله المقدسة، مجتهدين في حلفهم، بالغين فيه كل مبلغ [8] ، إذ حلفُوا على عدم البعث وأنكروا وقوعه ونفوه، بقولهم: {لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ} ، فجاء النفي بـ (لا) وفيها (( شيء من العموم والاتساع الزمني ) ) [9] .
ثم يأتي (( السياق يرد على تلك المقولة الكافرة ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات ) ) [10] ، ويكذِّبُ [11] ما افتروه بإثبات ما نفوه فيقول: {بَلَى} ، مقررًا [12] البعثَ، أي: بلى يبعثُهُم [13] .
(1) البحر المحيط 8/ 447، والجامع لأحكام القرآن 19/ 273، والتفسير الكبير 31/ 107، ولسان العرب 1/ 750 (حور) .
(2) الكشاف 4/ 235، وروح المعاني 30/ 81.
(3) إعراب القرآن للنحاس 5/ 187.
(4) روح المعاني 30/ 81.
(5) مجمع البيان 10/ 461.
(6) الكشاف 4/ 235، والبحر المحيط 8/ 447.
(7) سورة النحل /38 - 39.
(8) مجمع البيان 6/ 360.
(9) دراسات في الأدوات النحوية / 63.
(10) في ظلال القرآن 4/ 2172.
(11) تفسير القرآن العظيم 2/ 569.
(12) في ظلال القرآن 4/ 2172.
(13) الكشاف 2/ 409، ومجمع البيان 6/ 360، والتفسير الكبير 20/ 31، والإتقان 1/ 160.