الصفحة 112 من 342

ويلحظ أن الجواب وقع بـ (بلى) ، دونما ذكر للأمر المنفي قبلها، وهو (البعث) . فأوجز ولم يطل، لما يكون فيه من (( القوة والجزم، بما يلقي في نفس السامع من جدية الموقف الحاسم وخطره، بحيث لا يحتمل الإطالة والتأني ) ) [1] . غير أن التعبير أردف الجواب بالمصدر، تأكيدًا [2] للإثبات، فقال: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} ، أي: وعد بالبعث. وقد دل عليه القول في التقدير: (يبعَثُهُم) . وهو وعدٌ حقٌّ لا خلف فيه [3] ، {وَلَاكِنّ أَكْثَرَ الْنّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} . فهذا سبب وعلَّةُ مخالفتِهم الحقَّ، الذي جاءت به الرسل من البعث الوعد الحق، (( فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر ) ) [4] .

وبعد أن بيَّن السياقُ علَّة المخالفةِ للحَقِّ وهي الجهلُ، بيَّن علَّةَ البعثِ بقوله: {لِيُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} ، وهو (( متعلق بما دل عليه(بلى) ، أي: يبعثهم ليبين لهم. والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين والكافرين. والذي اختلفوا فيه هو الحق )) [5] .

وقيل: بجوازِ تعلُّقهِ بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولًا} [6] ، ومعناه: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم الذي يختلفون فيه [7] .

والأرجح - فيما يبدو - الأول، لأن الأخير بعيد لبعده في السياق عما تعلق به، ولأن علة بعث الرسل في قوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولًا} [8] ، مبينة بقوله {أن اعْبُدُوا اللهَ} [9] فعلَّةُ الإرسالِ الأمرُ بعبادة الله وحده دون الشرك به، وعلَّةُ البعث بيانُ ما اختلفوا فيه من الحق - وقوله: {وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} ، معطوف على قوله: {لِيُبَيِّنَ لَهُم} ، فكيف يتعلق قوله {وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ كَفَرُواْ} بقوله {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولًا مِّنهم} ؟ وعِلْمُ الكافرين بكذبهم يكون يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تُكشفُ فيه السرائر.

(1) التفسير البياني 1/ 74.

(2) الكشاف 2/ 409، والتفسير الكبير 20/ 31، والجامع لأحكام القرآن 10/ 105.

(3) التفسير الكبير 20/ 31، والجامع لأحكام القرآن 10/ 105.

(4) تفسير القرآن العظيم 2/ 569.

(5) الكشاف 2/ 410.

(6) سورة النحل / 36.

(7) مجمع البيان 6/ 360، والجامع لأحكام القرآن 10/ 105 - 106.

(8) سورة النحل / 36.

(9) سورة النحل / 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت