فخصَّ التعبير الجوابي لفظ (البنان) بالذكر، للتنبيه على بقية الأعضاء، ولأنها أصغر العظام [1] . لأنه جواب فيهِ (( تقرير كمال قدرته سبحانه ) ) [2] .
وأما التسوية في قوله (نسوي) فمعناها: (( نجعلها كخف البعير فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة ) ) [3] وقيل: (( نجمع سلامياته ونضم بعضها إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام، أو على أن نسوي أصابعه التي هي أطرافه وآخر ما يتم به خلقه ) ) [4] فضلا عما قيل في أن تسوية البنان هو (( أدق شيء وأبدعه في بناء جسم الإنسان ... حتى أنه لا يمكن أن تجد بنانًا لأحد يشبه بنان آخر بحال من الأحوال ) ) [5] .
ويلحظ في هذا التعبير الجوابي، أنه جاء بسياق مقابل لسياق الخبر المنفي. ويمكن إيضاح التقابل بين السياقين في المخطط الآتي:
يحسب (يظن) (فعل متغير) ... بلى (إثبات وإيجاب)
لن (نفي) ... قادرين (يقين) (اسم ثابت)
الإنسان مخلوق (مذكور) ... (نحن) خالق مضمر
نجمع ... نسوّي
عظامه (كبير، جمع) ... بنانه (صغير، مفرد)
فقد جاء الفعل (يَحْسَبُ) الدال على معنى الظن والوهم، مقابلًا لقوله {قَادِرِيْنَ} ، وهو اسم، والاسم دال على تثبيت المعنى للشيء من غير إشعار بتجدده [6] ، وهو أحسم هنا في جزم الظن وقطعه، مما لو قيل: (( بلى نقدر ) ).
وذكر الظان الواهم بقوله {الإِنْسَانُ} ، وهو يعني جنس الكفار؛ لأن (أل) هنا للجنس. وقد قابله محذوف، أي: (نحن) ، دالًا عليه بقوله {قَادِرِيْنَ} . وفي الحذف ميزة، وهي أنه (( أبلغ من الذكر؛ لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ) ) [7] ، فضلًا عن أن (( الحذف يذهب فيه الوهم إلى كل وجه من وجوه التعظيم ) ) [8] . ويلحظ أنه قابل النفي بـ (لن) ، الإثبات بـ (بَلَى) .
(1) الجامع لأحكام القرآن 19/ 94.
(2) الفوائد لابن القيِّم / 9.
(3) التبيان في البيان / 180.
(4) إرشاد العقل السليم 5/ 796.
(5) مناهل العرفان ي 1/ 19.
(6) البرهان في علوم القرآن 4/ 72، والتبيان لابن الزملكاني /49، والتعبير القرآني /24، ومعاني النحو 1/ 199.
(7) النكت في إعجاز القرآن للرماني / 71. بلاغة الكلمة والجملة والجمل /230.
(8) بلاغة الكلمة والجملة والجمل /230.