كفرة (ولكن حقت كلمة العذاب علينا) ، بل أجابوا بما يفصح عن كفرهم بقولهم: {وَلَاكِنْ حَقّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} دامغين أنفسهم وشاهدين عليها بالكفر.
وذكر تعالى رغبة إبراهيم (عليه السلام) في رؤية كيفية الإحياء، وهو: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىَ وَلَاكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي} [1] .
فلم يكن عليه السلام شاكًّا - وحاشاه من ذلك وهو النبي المرسل، بل كان لأجل أن يرى الإحياء بالمعاينة [2] فتطمئن نفسه بذلك ويطمئنّ السَّامِعُونَ.
وقد جاءه الجواب منه سبحانه بـ {أَوَلَمْ تُؤْمِن} ؟، بأسلوب استفهامي (( لكي لا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقرًّا بذلك ) ) [3] ، فهو سؤال تقرير، لأنه سبحانه عالم بأن إبراهيم عليه السلام (( أثبت الناس إيمانًا ) ) [4] ، وإنما سأله كما قيل: (( ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين ) ) [5] .
فهذا السؤال التقريري وقع جوابًا لسؤال سابق له، وقد (( تقرر في علم النحو أن جواب التقرير المثبت وإن كان بصورة النفي، تُجريه العرب مجرى جواب النفي المحض فتجيبهُ على صورة النفي، ولا يلتفت إلى معنى الإثبات ) ) [6] .
فجاء جواب إبراهيم عليه السلام بـ {بَلَىَ وَلَاكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي} ، أي آمنت بذلك، ولكني سألتك، ليسكن قلبي، (( بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال ) ) [7] ؛ لأن (( تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين ... فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك ) ) [8] ، لأن (( المشاهدة تؤثر في النفوس مع العلم بصدق الخبر ) ) [9] .
فأجاب عليه السلام بـ {بَلَى} ، ثم استدرك بـ {لكن} . وهذا التعبير جواب لسؤال استفهامي ورد جوابًا لسؤال دعائي، فهو: دعاء جوابه استفهام تقريري جوابه {بلى} و {لكن} .
(1) سورة البقرة /260.
(2) بحر العلوم 1/ 706.
(3) نفسه 1/ 706.
(4) الكشاف 1/ 391، ومسائل الرازي وأجوبتها /20.
(5) الكشاف 1/ 391، ومسائل الرازي وأجوبتها /20.
(6) البحر المحيط 2/ 298.
(7) تفسير الجلالين /55، وروح المعاني 3/ 26، ومواهب الرحمن 3/ 99.
(8) الكشاف 1/ 392.
(9) أسرار البلاغة للجرجاني /112.