وفضلا عمَّا ورد من هذا اللون من الجوابات، هناك ما ورد جوابًا لتعبير مجازي ورد على سبيل التمثيل والتصوير للمعنى، فقوله عظم شأنه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيَ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَاذَا غَافِلِينَ} [1] ، ورد على سبيل المجاز التمثيلي [2] ، وهو باب واسع [3] في التعبير القرآني. فالله سبحانه قد نصب لمخلوقاته من بني آدم الدلائل على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم، فإذا دُعي إلى الاعتراف أقروا بها واعترفوا [4] .
فـ (بَلَى) إثبات لما نُفي قبلها [5] سبقه استفهام في اللفظ دون المعنى، لذا قرر أن يجاب بما يجاب به النفي الصريح أو المحض [6] والكلام على المجاز لا على الحقيقة، وهو (( من باب التمثيل والتخييل ... فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقرّرهم وقال لهم: {ألَسْتُ بِرَبِكُم} ، وكأنهم قالوا: بلى أنت ربُنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك ) ) [7] .
وقد أردف هذا المشهد التمثيلي التخييلي، الذي أريد به الإقرار والاعتراف، بتعليل له، فقوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَاذَا غَافِلِينَ} ، معناه: لأن تقولوا [8] ، أو (( لئلا تقولوا، أو كراهة أن تقولوا ) ) [9] .
ويتبين مما تقدم أن في الإمكان القول: إن المقصود من جوابات النفي، الجوابات التي ترد جوابًا لسياق قبلها منفي بإحدى أدوات النفي المعروفة، وإن هذه الجوابات لا ترد إلا مصدرة بحرف الجواب التصديقي: (بَلَى) ، الموجب لما نُفيَ قبله من التعبير الذي كثيرًا ما تعلق بأمور البعث والقدرة الإلهية والحساب وبدء الخلق وتوحيد الألوهية لله تعالى. وقد يقرن هذا
(1) سورة الأعراف /172.
(2) روح المعاني 9/ 102، وصفوة البيان /227، ومن إعجاز البيان في القرآن الاستفهام /268.
(3) الكشاف 2/ 129.
(4) الكشاف 2/ 129، وروح المعاني 9/ 101، وصفوة البيان /227.
(5) الصاحبي /207.
(6) البحر المحيط 2/ 298، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم عضيمة 2/ 91 - 94، وأساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين /377.
(7) الكشاف 2/ 129.
(8) تفسير الجلالين /220.
(9) صفوة البيان /227.