فهذا التعبير الموبِّخ (( ردّ لمقالتهم الباطلة وتهويل لأمرها، بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجهل والجرأة ) ) [1] .
فضلا عما في هذا الانتقال من زيادة في السخط والتهديد والتأنيب [2] والتوبيخ والإنكار عليهم [3] .
ويلحظ أن التعبير ورد بعبارة {جئتم} ، لا بعبارة (قلتم) ؛ لأن ما قاموا به هو الزعم والقول، وكأن ما قالوه صار جسمًا يُجَاءُ به. ثم إنه ورد بتنكير {شَيْئًا} ، وفي التنكير تعظيم [4] وتفخيم، ثم المجيء بلفظة {إدًّا} ، ويعني: الأمر العظيم الفضيع المنكَر [5] .
ويلحظ أن انسجامًا حدث في الفواصل السابقة واللاحقة {وَلَدًا} و {إدًّا} و {هَدًّا} و {عبدًا} ... . فضلًا عن المد الصوتي الذي أحدثه صوت (الألف) ، وهو صوت (( يمثل أعلى درجات الوضوح السمعي من بين أصوات اللغة العربية، لما فيه من حزم صوتية عالية ) ) [6] . ويلحظ أن الجرس الصوتي أشتدّ بتشديد الدال [7] ، فزاد من الإشعار بشدته، وهو مما يتناسق والجو العام للسورة الذي يلمح فيه الاستنكار والتهديد والتهويل، إذ (( الموسيقى - في عبارات القرآن - تساير المعاني، فهو - باطلاق - في التقريع، والاعذار، والإنذار، والتحذير، والتخويف ذو ألفاظ شديدة قابضة مزعجة ) ) [8] .
ومن هذا الوادي من الجوابات ما ورد بأسلوب الاستفهام، حين يأتي الجواب سؤالًا يُطلب له الجواب، فيكون التعبير الإستفهامي مع جوابه جوابًا لسياق الخبر المنفي الوارد وهو ما يمكن تسميته بـ (المزاوجة التعبيرية) ، كالذي في قوله عظم شأنه: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُورًا وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [9] .
(1) روح المعاني 16/ 139.
(2) من بلاغة القرآن /108.
(3) البرهان في علوم القرآن 3/ 330.
(4) البرهان في علوم القرآن 4/ 91.
(5) الزاهر، لأبي بكر الأنباري 2/ 134 - 135، ولسان العرب 1/ 33 (أدد) ، وصفوة البيان /397.
(6) البنية الصوتية / 20.
(7) روح المعاني 16/ 2301.
(8) الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم لبيب السعيد /332.
(9) سورة الأنعام /91.