الصفحة 147 من 342

فقد بدأ التعبير بالذم لليهود وتوبيخهم بقوله تعالى {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ثم علله، بأن قولهم المفترى: {مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ} بالنفي الكلي لإرسال الرسل كان من أجل (( الطعن في رسالته - صلى الله عليه وسلم - على سبيل المبالغة ) ) [1] ؛ إذ جحدوا إرسال الرسل فجاء قولهم بتنكير {بَشَرٍ} و {شَيءٍ} والتنكير في موضع النفي يفيد العموم [2] ، فضلا عن أن لفظ (الشَيء) إنما (( يقع على كل ما أُخبِرَ عنه من قبل أن يعلم ) ) [3] وجاء بـ {مِنْ} التبعيضية، ليدلوا بذلك على النفي المطلق والجحد الكلي للإرسال.

ويأتي التعبير الجوابي جابهًا لهم ومندِّدًا بقولتهم هذه بالتلقين الإلهي للنبي - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} (( على سبيل الإلزام ) ) [4] ، والنقض والرد، وقل مستفهمًا موبِّخًا مقرِّرًا لهم، محتجًّا عليهم بما هو بينٌ ظاهرٌ معروف عندهم {مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى} ؟ وهو التوراة الذي لا ينكرون أنه من عند الله وقد صُدِّرَ هذا التعبير الاستفهامي بالفعل {أنزلَ} ولم يقل (أرسَلَ) أو (بعَثَ) ، لأن الإرسال منكر من لدنهم، فجاء بها يدل عليه وهو (الإنزال) . والنزول يعني: الحلول [5] ، فكان (( وصف الكتاب بالوصول إليهم، لزيادة التقرير، وتشديد التبكيت ) ) [6] .

وجاء هنا بلفظ {الكِتَاب} ولم يقل: (التوراة) فيصرح بها كما صرح في آيات أخرى؛ وذلك ليدل على أن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - كتابًا وهو القرآن ككتابكم التوراة. وقد عبر بالاسم الموصول (الذي) (( الدال على المعهود، المعروفة صلته دون(من) التي فيها الإبهام )) [7] .

وقال {جَاءَ} ، ولم يقل (أتى) ، إذ بين اللفظين فارق دلالي، هو أن (((جاء) يقال في الجواهر والأعيان، وأتى في المعاني والأزمان )) [8] وقد ورد التعبير بتقديم الجار والمجرور (به) على الفاعل، لأهمية المقدم، إذ إنه دليل الاحتجاج، فالتعبير يقدم ما هو أهم، وما تكون العناية به أشد [9] .

ولتوكيد الإلزام على هؤلاء المنكرين للرسالة المحمدية، ولزيادة التقرير جاء التعبير واصفًا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام بصفات ثلاث:

(1) روح المعاني 7/ 219.

(2) التفسير الكبير 13/ 77.

(3) الكتاب 1/ 22. ينظر النحو العربي نقد وبناء / 27.

(4) روح المعاني 7/ 219.

(5) لسان العرب 3/ 619 (نزل) .

(6) روح المعاني 7/ 219.

(7) المعاني الثانية في الأسلوب القرآني /371 - 372.

(8) البرهان في علوم القرآن 4/ 80.

(9) الكتاب 1/ 56، ودلائل الإعجاز 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت