ثم عقب التعبير الجوابي بتعبير فيه لهم من (( التهديد قدر ما فيه من الاستهانة، قدر ما فيه من الحق والجد، فحين يبلغ العبث أن يقول الناس مثل ذلك الكلام يحسن احترام القول وحسم الجدل وتوفير الكلام ) ) [1] فقال سبحانه: {ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُون} . و (الخوض) لا يستعمله القرآن إلا في الباطل، خلافًا لاستعمال الناس له اليوم، وأصله في اللغة: (( المشي في الماء وتحريكه ثم استعمل في التلبس بالأمر والتصرف فيه ... والخوض من الكلام: ما فيه الكذب والباطل ) ) [2] .
فاستعير مجازًا للدخول في ما هو باطل، وقوَّى ما فيه من هذا المعنى اقترانه باللعب في عدد من الآيات. فهو في القرآن لا يرد إلا في مقام اللهو المذموم غير النافع [3] ، إلا في آية يوسف [4] .
وفضلا عمَّا ذُكر من جوابات الردع، سواء ما ورد بحرف أو بما دل من التعابير على الردع والزجر، تلك التي وردت مقترنة بالسياق الذي قبلها، فإن هناك جوابات وردت رادعة رادة ما جاء في تعبير منفصل عنها، وهو مما أشار إليه ابن فارس في كتابه (الصاحبي) في باب (( ما يكون بيانه منفصلًا منه ويجيء في الصورة معها أو في غيرها ) ) [5] . فذكر طائفة من الآيات. ومما هو من هذا اللون من الجوابات، قوله تعالى: {وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [6] ، فهذا ردٌّ [7] على قولتهم: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هََذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [8] . ومنه أيضًا قوله عظم شأنه: {قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَاذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [9] ... ردًا [10] على قولتهم: {ْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَاذَا} [11] . وقوله تعالى {فَإِنْ يَصْبِرُواْ فَالنّارُ مَثْوًى لّهُمْ} [12] ، فهذا جواب [13] يلمح فيه الردع لقولتهم: وَانطَلَقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاصْبِرُوْا عَلَىَ ءَالِهَتِكُمْ إِنّ هََذَا لَشَيْءٌ
(1) في ظلال القرآن 2/ 1147.
(2) لسان العرب 1/ 920 (خوض) .
(3) كما في سورة التوبة /65، والزخرف /83، والمعارج /42، والأنعام /91، والطور /12.
(4) وهي الآية /12 (يَرتَعْ وَيَلْعَبْ) من السورة.
(5) الصاحبي /402.
(6) سورة القصص /68.
(7) الصاحبي /402 - 403، والبرهان في علوم القرآن 2/ 193.
(8) سورة الزخرف /31.
(9) سورة الإسراء /88.
(10) الصاحبي /403.
(11) سورة الأنفال /31.
(12) سورة فصلت /24.
(13) الصاحبي /403، والبرهان في علوم القرآن 2/ 193.