الصفحة 154 من 342

عليهم، ولعنهم وطردهم )) [1] ، فقال سبحانه على سبيل الدعاء عليهم [2] : {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [3] ، وقيل [4] : إن دعاءه بذلك عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، وأن الكلام جاء مناسبًا لقولتهم من حيث اللفظ، فكان من التجنيس والمجاراة لكلامهم، أي إنه (( يحمل على المجاز على وجه الدعاء والمطابقة للفظ؛ ولهذا قيل إنهم أبخل خلق الله ) ) [5] .

وقد عطف عليه لعن آخر، فقال سبحانه {وَلُعِنُوا بِما قَالُوا} [6] ، أي أُبعدوا عن رحمته عز وعلا، بسبب فريتهم تلك [7] . وهو فيما يبدو إخبار ورد على سبيل الدعاء باللعن المحقَّقِ لا محالة، ومن ثم نُصِب قوله: {غُلَّتْ} (( على الحال كأنه تعالى قال: وقالت اليهود كذا وكذا؛ في حال ما غلَّ اللهُ تعالى أيديَهم ولعنهم، أو حكم بذلك فيهم ) ) [8] .

ويرد الكلام بعد هذا التعبير المكرر الحاكم على القوم باللعن والطرد من رحمة الله كي (( يُصحِّحَ هذا التصور الفاسد السقيم؛ ويصف الله سبحانه بوصفه الكريم ) ) [9] . فقد قال عظم شأنه، رادًّا لهم ومكذِّبًا [10] إياهم: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [11] . وهذا التعبير الجوابي الذي ورد على سبيل التشاكل [12] ، قد (( قابلهم فيما اختلقُوهُ وافتروهُ وائتفكوه ) ) [13] .

ومن ثم فقد (( أجيبوا بهذا الجواب على قدر كلامهم ... فاليهود لما جعلوا قولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} كناية عن البخل، أجيبوا على وفق كلامهم ) ) [14] . فالجواب جاء كناية عن الكرم، قصد المبالغة في التشنيع [15] .

(1) في ظلال القرآن 2/ 929.

(2) الجامع لأحكام القرآن 6/ 239، أمالي المرتضى 2/ 3 - 4، روح المعاني 6/ 180 - 181.

* هنالك قول آخر، وهو أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلت أيديهم، أو وغلت أيديهم، وأضمر الفاء والواو، لأن كلامهم تمَّ، واستؤنف الموضع. الجامع لأحكام القرآن 6/ 239، وأمالي المرتضى 2/ 4 - 5.

(3) سورة المائدة /64.

(4) روح المعاني 6/ 180 - 181.

(5) البرهان في علوم القرآن 2/ 308.

(6) سورة المائدة /64.

(7) روح المعاني 6/ 181.

(8) أمالي المرتضى 2/ 4.

(9) في ظلال القرآن 2/ 929.

(10) تلخيص البيان في مجازات القرآن /133، وأمالي المرتضى 2/ 3.

(11) سورة المائدة /64.

(12) مفتاح العلوم /661. والتشاكل: هو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.

(13) تفسير القرآن العظيم 2/ 75.

(14) لباب التأويل في معاني التنزيل 1/ 509 - 510.

(15) البرهان في علوم القرآن 2/ 308، وفنون بلاغية /190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت