ويلحظ في هذا التعبير الجوابي المقابل لقولتهم هذه، أنه ورد بتثنية اليدين التي أُفردت في فريتهم، وما ذلك إلاَّ ليكون (( رد قولهم وإنكاره، أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه، وذلك أن غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعًا فبني المجاز على ذلك ) ) [1] ، ومن ثم كانت هذه التثنية (( تأكيدًا للأمر وتفخيمًا له؛ ولأنه أبلغ في المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة ) ) [2] فيمكن حمله والحال هذه على زيادة المبنى لزيادة المعنى، وهو الذي سماه ابن جني [3] (ت 392 هـ) : (( قوة اللفظ لقوة المعنى ) ).
وقيل: إن المراد بـ {يَدَاهُ} ليس الاثنين اللتين هما أكثر من الواحدة، وإنما المراد به (( المبالغة في وصف النعمة. كما يقول القائل: ليس لي بهذا الأمر يدان، وليس يريد الجارحتين، وإنما يريد المبالغة في نفي القوَّة على ذلك الأمر ) ) [4] .
وعلى كلا القولين لا يخلو التعبير من المبالغة. وأنه أُردفَ بتعبير مؤكٍِّد له، حين قال سبحانه {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [5] ، فجاء هذا القول (( جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه، لما فيه من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من(كيف ) )) [6] . وأنه وارد بتركيب فعلى {يُنْفِقُ} الدال على الحدوث والتجدد دون الاسم الدال على الثبات والاستقرار.
فيتبين مما تقدم أنه يمكن القول إن التعبير الجوابي المصدر بـ (بل) الإضرابية، المسبوقة بتعبير فيه دعاء باللعن عليهم، وقع مقابلا لتعبير اليهود المفترى، وقد احتوى التقابل أمورًا منها: الإثبات وعدمه، فالإثبات في قولةِ اليهود {يَدُ اللَّهِ مغْلُولَةٌ} ، وعدمه يتضح في الردِّ عليهم؛ لأن {بَلْ} هنا إضرابية دخلت على جملة، فكان إضرابًا إبطاليًّا؛ لأنها بدخولها على جملة، أبطلت معنى الجملة السابقة لها [7] .
والقلة والكثرة تتضح في إفراد (يد) وتثنية (يداه) في الجواب. وهو هنا تقابلُ خلاف من جهة الإفراد والتثنية.
وفي إفراد الصفة (مغلولة) ، وتثنية الصفة (مبسوطتان) ، تقابل أيضًا مع فارق دلالي مضاف إلى عنصر التضاد فيهما، وهو تثنية البسط إخبارًًا عن تثنية اليد، وفيه ما فيه من
(1) الكشاف 1/ 628.
(2) أمالي المرتضى 2/ 3.
(3) الخصائص 3/ 264، وينظر الأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 205، وفقه اللغة العربية د. كاصد الزيدي 139 - 140.
(4) تلخيص البيان في مجازات القرآن /133. وينظر مذاهب التفسير الإسلامي جولدتسهر /188.
(5) سورة المائدة /64.
(6) روح المعاني 6/ 181.
(7) معاني النحو 3/ 251.