اسم مفعول ... اسم مفعول
ومن جوابات التعبير المقابل لسياق خبري أيضًا، قولُهُ تعالى إخبارًا عن النصارى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [1] ، فقد قالوا بالتثليث بزعم أن الألوهية ليست خاصة بالله وحده، بل هي ثلاثة (أقانيم) : الله سبحانه، والمسيح، وأمَّهُ عليهما السلام [2] . مع أنهما عبدان لله، ولذلك ورد الردُّ على قولتهم هذه بتعبير مقابل لها، نافيًا ما أثبتوه من التعدد والشركة، فقال عظم شأنه، على سبيل القصر: {وَمَا مِنْ إِلَاهٍ إلاّ إِلَاهٌ وَاحِدٌ} [3] ، أي: إنه سبحانه (( موصوف بالوحدة متعال عن قبول الشركة بوجه؛ إذ التعدد يستلزم انتفاء الألوهية ) ) [4] .
وقد سلك التعبير النافي للشركة سبيل القصر، (( تأكيدًا للكلام، ومبالغةً في توضيح الأحكام وتثبيتها في الأذهان ) ) [5] . وكان القصر بالنفي بـ (ما) ، والاستثناء بـ (إلاَّ) ، وهو تأكيد نفي لا تأكيد إثبات [6] . فالإله سبحانه (( ليس متعددًا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ولا يُشاركُهُ في الألوهية أحدٌ ) ) [7] .
و (مِن) جيء بها لتأكيد الاستغراق [8] . فكان نفي الشركة مطلقًا، فقد (( لزم من نفي الثلاثة لامتناع المساواة المعلومة عقلًا ... نفي الشركة مطلقًا، فإن تخصيص النهي وقع في مقابلة الفعل ) ) [9] ، ومن ثم وردَ التعبير الجوابي بالإفراد والتوحيد والتخصيص المؤكّد بالقصر.
ففي هذا التعبير (( من التأكيدات لأمر التوحيد ما ليس في غيره - النفي والاستثناء - وزيادة(مِن) لإفادة تأكيد الاستغراق ثم الإتيان بالمستثنى - إله واحد - بالتنكير المفيد للتنويع، ثم التهديد بالعذاب الأليم )) [10] .
وقد وقع مقابلًا لفريتهم التثليثية التي أكدت بـ (إنَّ) . فالتقابل إذن تقابل عددي، وهو تقابل تضاد وجودًا وعدمًا.
ومثل ذلك من الجوابات التي وردت مقابلة لسياق خبري، قوله عز وعلا، مخبرًا عن قولة اليهود: {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه} [11] ، التي وردت على سبيل
(1) سورة المائدة /73.
(2) الجامع لأحكام القرآن 6/ 23. والبرهان في علوم القرآن 3/ 137. وروح المعاني 6/ 207.
(3) سورة المائدة /73.
(4) روح المعاني 6/ 207.
(5) من أسرار اللغة د. إبراهيم أنيس /175.
(6) من أسرار اللغة /175.
(7) تفسير القرآن العظيم 2/ 81.
(8) الجامع لأحكام القرآن 6/ 250، وروح المعاني 6/ 207، والبرهان لعلوم القرآن للسوداني 1/ 339.
(9) البرهان في علوم القرآن 3/ 137.
(10) البرهان لعلوم القرآن 1/ 339.
(11) سورة النساء /157.