الصفحة 158 من 342

الاستهزاء [1] والتهكم [2] ، في كونه صاحب رسالة؛ إذ قالوا: {رسولَ اللهِ} مع عدم إقرارهم برسالته استهزاءً وتهكمًا. وقد يكون ذلك من باب وضع (( الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم؛ رفعًا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيمًا لما أرادوا بمثله ) ) [3] .

وقد جاء الردُّ [4] على قولتهم هذه، بنفي مكرر هو: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوه} فكان الجواب سريعًا حاسمًا مباشرًا، إذ تولى الله سبحانه وتعالى الردَّ [5] عليهم، من غير تلقين، نافيًا ما أكدوه بـ (ما) التي وردت مكررة توكيدًا للنفي، ومقابلا للإثبات المؤكد بـ (إنّ) في قولتهم {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ} [6] ، وهو تقابل بالضد والنقيض، إذ إنَّ الطرف الأول من الكلام ورد مثبتًا، والطرف المقابل له ورد منفيًا، وكلاهما ورد مؤكدًا، فالأول مؤكد بـ (إنّ) ، والآخر بتكرار حرف النفي (ما) .

ويلحظ أن الطرف الأول من التعبير ورد بذكر (القتل) فقط، على حين ورد التعبير الجوابي نافيًا القتل والصلب معًا؛ لأن (( قضية قتل عيسى عليه السلام وصلبه، قضية يخبط فيها اليهود كما يخبط فيها النصارى بالظنون. فاليهود يقولون: إنهم قتلوه ... والنصارى يقولون: إنه صلب ودفن ... وما من أحد من هؤلاء أو هؤلاء يقول ما يقول عن يقين ) ) [7] ، بل عن ظن ووهم، لذا قال سبحانه فيهم: {وَلَاكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [8] . فكان القتيل شبيهًا به [9] وليس هو.

فالتقابل في هذه الآية تقابل تناقض أو سلب؛ إذ ورد التعبير الجوابي بأسلوب ينفي الكلام المثبت السابق له، وهو مقولة اليهود.

ومن هذا الوادي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [10] . فالله سبحانه قد أجاب عن قولتهم [11] : {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ} بما يقابلها

(1) الكشاف 1/ 579.

(2) تفسير القرآن العظيم 1/ 574. وفي ظلال القرآن 2/ 801.

(3) الكشاف 1/ 579.

(4) الجامع لأحكام القرآن 6/ 9. وفي ظلال القرآن 2/ 801.

(5) البرهان لعلوم القرآن 1/ 325.

(6) سورة النساء /157.

(7) في ظلال القرآن 2/ 801. والبرهان لعلوم القرآن 1/ 325 - 326.

(8) سورة النساء /157.

(9) الكشاف 1/ 580، ومجمع البيان 3/ 135، وفي ظلال القرآن 2/ 802.

(10) سورة البقرة /8.

(11) المعاني في ضوء أساليب القرآن /205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت