الصفحة 159 من 342

من الرد المباشر والسريع، المبيِّن لكذب ما قالوه وادَّعَوهُ بقوله: {وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [1] ، نافيًا عنهم صفة الإيمان. وكان ذلك بالجملة الاسمية؛ لأنه (( أبلغ من نفي الفعل؛ إذ يقتضي إخراج أنفسهم وذواتهم عن أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، وينطوي تحته على سبيل القطع نفي بما أثبتوا لأنفسهم من الدعوى الكاذبة ) ) [2] ، فعُدل عن الجواب بـ (ما آمنوا) الذي يكون مطابقًا [3] لقولتهم {ءامنَّا} إلى {وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} فجاء الجواب مبالغًا في تكذيبهم وذمِّهم، سالبًا عنهم صفة الإيمان بالكلية، مناقضًا بالتمام لقولتهم الموجبة الجزئية [4] .

فورد الإيمان مطلقًا في التعبير الجوابي، ومقيدًا في التعبير الأول. وقد علَّلَ الزمخشري [5] ذلك بقوله: (( يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما ) ). أي إن الجواب أخرج ذواتهم من جنس المؤمنين [6] .

ويلحظ في هذا التعبير الجوابي المطلق المقابل لقولتهم، أنه ورد على جهة المبالغة التي حصلت بالعدول إلى الجملة الاسمية، وأنّه زاد في المبالغة حين (( قدم الفاعل، وأولى حرف النفي ردّا لدعوى أولئك المنافقين على أبلغ وجه ) ) [7] ، وأن دخول الباء على الإخبار عنهم بأنهم غير مؤمنين، فيه تأكيد ومبالغة في تكذيب دعواهم [8] .

وفضلًا عن ذلك فإنه سبحانه أطلق الوصف في جوابهم، وفي الإطلاق (( إشارة إلى العموم، وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء، وقد يقيد بما قيد به سابقه؛ لأنه واقع في جوابه إلاّ أن نفي المطلق يستلزم نفي المقيد فهو أبلغ وأوكد ) ) [9] ، أي إنه أفاد نفي الإيمان في الحال، وذمهم بكل حال [10] .

(1) سورة البقرة /8.

(2) البرهان في علوم القرآن 4/ 70، ومثله في الكشاف 1/ 169.

(3) روح المعاني 1/ 145.

(4) البرهان في علوم القرآن 4/ 70.

(5) الإيضاح (شروح التلخيص) 2/ 81.

(6) الكشاف 1/ 169 - 170، والإيضاح في علوم البلاغة /60.

(7) روح المعاني 1/ 145.

(8) البرهان في علوم القرآن 4/ 70، والتبيان في البيان /70.

(9) روح المعاني 1/ 145.

(10) البرهان في علوم القرآن 4/ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت