وقد لفت الزركشي [1] التعبير بلفظ (مؤْمِنِينَ) بدلًا من (آمنُوا) بملحظ يقوم على إيقاع التعبير وعلاقة حرف المد الياء بالمعنى، فرأى أنه (( أحسن من(آمَنُوا) لوجود التمكين بالمدِّ؛ والوقف عقبه على حرف له موقف )).
والتقابل في هذا السياق القرآني تقابل ضد ونقيض، إذ قُوبل الإيمان في قولتهم بانعدامه في قوله تعالى في الرد عليهم بـ (ما) النافية.
وقوبل ضمير الحضور (نا) في قولتهم {ءامَنَّا} بضمير الغيبة في قوله تعالى {ما هُمْ} . وذِكْر الباء في الجواب قابلَهُ حذفُها في قولتهم.
وقوبل الفعل {آمَنَ} الدال على الحدوث والتغيير بالاسم (مؤمن) الدال على الثبوت والملازمة. وقوبل التقييد بالذكر في قوله {بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ} بالإطلاق والعموم وعدم التخصيص الذي دل عليه الحذف في الجوابِ.
ومن هذا الوادي أيضًا، قوله عظم شأنه: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [2] . فهذا إخبار عن حال المنافقين الذين يستأذنون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرجوع عن القتال عند غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. فقد تعلَّلُوا باعورار بيوتهم، ليفروا عن نصرته - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المؤمنين [3] . فردَّ الله سبحانه عليهم، مكذِّبًا لما ادَّعوهُ [4] ، وكاشفًا عن الحقيقة [5] ، بقوله: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} [6] ، أي: إن بيوتهم (( ليست كما يزعمون ) ) [7] من أنها غير محصنة ولا محرزة وأنها مُمْكِنة للسُرَّاق والأعداء [8] .
وهذا الجواب من الله تعالى وردَّ نافيًا ما ادَّعوهُ، مقابلا لقولتهم التي أكدوها بـ (إنّ) ، وهو جواب موجز حاسم في الرد؛ لأنه ردّ من الله تعالى. ومتى كان الجواب من (( جهته جل وعز كان أحسم للشبهة؛ وأبلغ في دفعها عنهم ) ) [9] .
وكان التقابل في هذا السياق، تقابل تناقض؛ فالتعبير الأول ورد مثبتًا مؤكدًا، والآخر ورد نافيًا مكذبًا لما أُكِّدَ إثباته، فوقع التقابل من جهة الإثبات والنفي.
(1) نفسه 4/ 70.
(2) سورة الأحزاب /13.
(3) الكشاف 3/ 254.
(4) الكشاف 3/ 254، ومجمع البيان 8/ 347، والجامع لأحكام القرآن 14/ 149.
(5) في ظلال القرآن 5/ 2838.
(6) سورة الأحزاب/13.
(7) تفسير القرآن العظيم 3/ 473.
(8) الكشاف 3/ 254، والجامع لأحكام القرآن 14/ 148، وتفسير الجلالين /551.
(9) أمالي المرتضى 2/ 215.