فريقهم وبالأذل عن فريق المؤمنين فأثبت الله تعالى صفة العزة لله ولرسوله والمؤمنين )) [1] وأثبت لهم صفة الذل، أي (( هم الأذل المُخرَج والله ورسوله الأعز المُخرِج ) ) [2] فهو ردٌّ وردَ على سبيل التقابل بالضد والنقيض، وهو ردٌّ مأخوذٌ من فحوى كلام المتكلم الأول غير أنه ردٌّ بالضد لا بالتأييد والموافقة.
(2) التقابل مع سياقات إنشائية:
إن ما مرَّ من الجوابات التقابلية وقع جوابًا لسياقات إخبارية، أما ما وقع جوابًا تقابليًا لسياقات إنشائية، فكقوله تعالى: {سيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [3] . فقد حصل التقابل بين سؤال السفهاء الوارد على سبيل الاستهزاء والتعجب [4] ، والإنكار [5] وهم الطرف الأول في العملية الكلامية، إذ قالوا: {مَا وَلَاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} ، أي بيت المقدس [6] في الشام [7] . وبين الطرف المجيب الملقَّن بـ {قُلْ} الأمرية: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [8] .
فالتَّعبيرُ الأول دلَّ على التخصيص، أي: خصصوا القبلة بجزء من الأرض وبجهة من الجهات. والتعبير الجوابي ورد دالًا على الكلية والعموم، (( فالجهات كلُّها لله ) ) [9] تعالى، فلا يختص ذلك بمكان دون مكان؛ لأنه مالكها جميعها، ومتولي أمرها [10] .
ويلحظ أن التعبير الجوابي المقابل لقولتهم ورد بتوحيد {الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ، غير أنه أُخرج (( مخرج الجنس فدل على الجمع، كما يقال: أهلك الناسَ الدينارُ والدرهمُ ) ) [11] . وجاء هذا الردُّ رادًّا لهؤلاء عن الخطأ، مرشدًا إلى الصواب [12] .
(1) حسن التوسل إلى صناعة الترسل /305، وينظر الإتقان 2/ 137.
(2) الإتقان 2/ 137، ومن بلاغة القرآن /374.
(3) سورة البقرة /142.
(4) التفسير الكبير 4/ 101.
(5) مجمع البيان 1/ 222، ومواهب الرحمن 1/ 280.
(6) الكشاف 1/ 317، ومجمع البيان 1/ 222 - 223، وروح المعاني 2/ 3.
(7) الجامع لأحكام القرآن 1/ 147.
(8) سورة البقرة /142.
(9) التفسير الكبير 4/ 101.
(10) مجمع البيان 1/ 191، والجامع لأحكام القرآن 1/ 148، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/ 82.
(11) مجمع البيان 1/ 190.
(12) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 1/ 280.